سعودي يدهن البيوت في إيطاليا.. وأشياء أخرى

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
ويرحل فنانٌ سعوديُّ عظيم من لوحة الدنيا. يرحل ليعانق الأبد "عبد الحليم رضوي"، أهم فنان سعودي في عصرنا الحالي، والأكثر ثقافة، والأرقى ريشة. الفنانُ الذي أتى ليحول الفنَّ التشكيلي عندنا إلى موسوعة. وأنا من ممارسي الرسم التصويري، وإن لم احترف، إلا أني كنت تلميذا للمدرسة الكلاسيكية الأمريكية في ديناميكية الحركة بين الإنسان والمنظر، ولما وقع نظري في مطبوعة أمريكية أنيقة من سنوات الدراسة الجامعية على لوحة للفنان "رضوى" برسم الشخوص والحي التقليدي الحجازي بهرني أداؤه المفعم بالألوان، وصرامة وضوح الخطوط، وتأكيده على محاور اللوحة، كان في رأيي أنه يشبه "جوجان" بتقنية أفضل، وإن كان - كما قرأت - مولعا "بفان كوخ" الهولندي الذي صار أسطورة.. كانت ضربات ريشة عبد الحليم رضوى خفيفة الإيقاع، ناعمة الرشـّة، متبادلة الألوان بجلال، ولم تكن قوية مهووسة. كان فيلسوفا، وصاحب رؤية واعتداد.. ومات وهو في مملكته البهية كما عاش طيلة عمره.. بهيا!
 
ويكتب في جريدة الرياض عدد الأمس الدكتور "أحمد عبد القادر المهندس" مقالا جميلا ومركزا عن البروفيسور ( كما أصر أن يدعوه) عبد الحليم رضوي الذي اقترض كلمة للدكتور محمد عبده يماني معاصره وابن بلدته (مكة المكرمة) قال فيها من عرض أشياء كثيرة: "إن الفنان الكبير كانت تعتمل روح الفن في نفسه وتلح على توجيه حياته". وفي المقال، إن حياة الفنان الكبير مزيج من العصامية واليتم والتحدي، وذهب مغامرا إلى دراسة الفن في إيطاليا ولم يكن معه إلا 150 دولارا (!).. ولتستقيم أمور حياته عمل دهانا في البيوت في روما. وترون يا شباب كيف يبزغ العظماء. كل ضربة فرشاة على أي جدار في روما العريقة من يد الفتى الحجازي الصغير كانت عتبة من عتبات مجده. رحم الله عبد الحليم رضوي فقد كان بروفيسورا في بلاد نائية ملونة، يكون الفكرُ فيها جمالا، ويكون الجمالُ فيها فكرا!
 
هل كانت نتائج البورصة مجزرة؟ ربما لمن وضع كامل عنقه على المذبح. وهنا لن نحدد من السبب وكيف آلت الأمور.. وأود، ملتمسا، أن يقل ظهور المحللين الذي صاروا مثل ضاربي الودع في التكهنات السوقية. السوقُ والممارسة أبسط وأنجع كثيرا من التكهنات عندما تحكمها قواعد السوق والمتاجرة التي تقرأها بأبجديات أي كتاب اقتصادي. وأتوجه هنا لهيئة سوق المال لتتقدم خطوة كبرى في السوق، ليس كحاكمة، أو مشرعة القوانين، ولا ضابطة إيقاع لسيمفونية السوق التي مازالت تضرب نشازا مؤذيا.. ولكني أرجو أن تقوم السوق بتدخل منطقي وعملي وضمن نسيج السوق، وطبيعة التعامل الحر المحكوم بالممارسات العاقلة، وبدون اللعب من أعلى السطوح، ولكن المشاركة الطليعية في السفوح.. بأن تتقدم (عمليا وواقعيا) لتلعب دور مدير السوق. الإدارة العملية مظلتها معروفة، قيادة الجميع لتحقيق الأرباح في بيئة مزدهرة.. وتقليل الخسائر في أحوال أقل ازدهارا!
 
ومقال مؤثر في "الوطن" عن.. "عَروس يَطمسُ حُسـْنـَها الضَّنـَكُ" بعنوان (في جدة، حياتنا مهددة بالضنك) "لعبد الله صادق الدحلان" أنقل بعض الأوصاف التي صارت ملازمة للعروس من تعبيرات الكاتب الممتلئ حزنا، ولوما لا يخفى، كتب: "يقول أحد المسؤولين عن منظمة البيئة العالمية إن مدينة جدة مصنفة ضمن قائمة المدن الأكثر تلوثا بيئيا في العالم." .. مرحى، دائما نسعى لنكون على قوائم التصنيف العالمية ونتباهى، وهذه جدة تتربع على قائمة تصنيف شهير، ولم يصفق أحد (إلا الدحلان ولكنه مثل الذين يصفقون على الوجوه، كمَدا).. وخذ هذه، إن كنت قوي القلب، يقول الكاتب:".. أعلن في الأسابيع الماضية عن اكتشاف رقعة تلوث بحري على مساحة 15كيلومتراً في شواطئ جنوب جدة.. وكان يُتوقع أنها بقايا زيوت بواخر عابرة، أو وقود العبـّارة الغارقة.. ولكن بعد التحليل أتضح أنها فطريات ومتجمدات من محطة تنقية الخُمرة في جنوب جدة." لا، لا.. هذه يصعب بلعها يا عبد الله، وأسألك يا سيدي إن كانت محطة للتنقية: ألم يكن البحر أنظف بلا وجودها؟ وهل - بالتتابع المنطقي - ستكون جدة أفضل، لو لم توجد الأمانة؟!.. مجرد سؤال!
 
كتاب الجمعة: كتاب رائع وموسوعي، للمؤرخ الإنجليزي فيرجس فلمنغ Fergus Fleming، وبعنوان "من قصص الجـَلـَد Tales of Endurance، يروي لنا ببراعة منقطعة النظير أعظم 45 قصة لأهم المكتشفين في التاريخ. وأنقل بترجمة ملتزمة بعض ما جاء بالفصل الخاص عن ابن بطوطة: "بعد وفاة النبي محمد ترك إرثا عبارة عن أسرع الأديان نموا في الألفية، وفي القرن الرابع عشر (ميلادي) تجذر الإسلامُ في بلدان قصية مثل إسبانيا، وجزر الهند الغربية، مكونا ليس إمبراطورية بالشكل المتعارف عليه، ولكن شبكة من مملكة متحدة بإيمان وحيد. وأينما يجول الرحالة في بلاد الإسلام الواسعة سيتوقع أن يجد ذات العادات، والطقوس الدينية، والطعام والملبس والسلوك. على النقيض كانت أوروبا معزولة، جاهلة، وفي أماكن بربرية، حينما كان العالم الإسلامي عالميا، متحضرا، ومطروقا للسفر بكثرة لأن لإسلام يدعو إلى الحج إلى مكة.." ومن هنا تبدأ قصة ابن بطوطة الذي ابتدأ حاجا، لينتهي إلى أشهر رحالة عربي عرفه التاريخ.
 
مسك ختام الجمعة: من قصيدة (عامٌ مضى) للشاعر الفائض رقة، والناضج بأصالة الشعر، عبد الرحمن العشماوي: عامٌ مضى يا أمَنا الغاليـة وأنتِ عن منزلِنا نـَائِـيـَة ... أماهُ هذا جُهدُ قلبي الذي يستمطرُ الرحمة َوالعـافـيـة آمنتُ باللهِ الذي عنـده أستثمرُ الصبرَ على حــاليـه لولا يقينٌ عزَّ قلبي بــهِ فازَ الأسى بالضربةِ القاضية .. مع السلامة!