عندما تقلب الطاولة لن تستطيع أن تأكل، ولا أن تقف عليها، وستأخذ حيزا أكيدا من المكان، دون أي إضافة نفعية للمكان.
عندما تقلب الهرم، فإنه لن يقف راسخا على الأرض، أو أنك ستحتاج إلى روافد تأخذ زوايا مائلة تحتل فضاء كبيرا من المكان دون أن تستفيد من هذه المساحات، ولا طائل من الهرم المقلوب وملاحقه في الأصل.
عندما تنجب الأولاد قبل الزواج.. لا مستحيل. عندما تسجل الأهداف ثم تبدأ المباراة.. لا مباراة إذن، ولا معنى لإقامتها في الأصل.. ولا متعة، ولا ظروف لفوز أو خسارة.. لا شيء!
عندما تأخذ كتابا زاهيا وتقرأه من خاتمته، فلا الخاتمة تنبئك عن القصة، ولا القصة عرفتها في الأصل، بل إن قراءة الخواتيم قبل البدء هو الضلال الفكري والمنطقي والواقعي عينه.
عندما تبني بيتا سريعا لكي تبيعه لا لكي تقطن فيه، أو تعده لقطنى الآخرين، ويكون الغرض هو البيع ( تخلصا وربحا) فمن سيهتم بأساساته، وحسن هندسته، وجودة مواده؟! قد ينتهي البيت إذن سقفا منهارا على حوائطه..
عندما تكون دقة القلب الاقتصادية في البلاد "اكتتبوا" فقط فهناك شيء سيحدث، وهذا الذي سيحدث لن يكون جيدا، لأن الطاولة قلبت، ولأن الهرم قلب.. ولأن البيت مهدد من أركانه.. ولأن- وهنا مدار الموضوع- تكون الأهداف قد سجلت.. بلا مباراة، ولا منافسة.
هذا الذي خرجت به ليس من عندي فقط، وإنما هو نتيجة ما قرأته للزملاء من الكتاب الغيورين والمختصين، وما يدور في نقاشات يلقنني إياها من هم عليمون بدخائل العملية الاكتتابية، ومن أساتذة ورجال أعمال، ومواطنين حصيفين يكاتبونني، وكلهم يقول .. إن جرسا لا بد أن ُيقرع!
قلت لصاحب لي من الأدمغة الثقيلة التي تترحم على كتفيه من حمل هذا الحجم الدماغي فوقهما، وهو انطباعي، وانفعالي، ولا يجمل الأمور ولا بنقطة، وهو متشائم كما أراه، وهو واقعي بالتجربة والخبرة والتطبيق كما يرى نفسه.. ولما قلت له إن جرسا لا بد أن يُقرع، رد علي بصوته الذي يحدث ضجيجا على مقياس ريختر: "لا تتعب حالك، فإن لا أحد يريد أن يسمع الجرس.
سكت ثم تابع بصوته الرعدي وقال: "بل إنهم لا يريدون أن يستمعوا؟". "من الذين لا يريدون أن يستمعوا؟" سألته. أجاب: "كل الناس، كل ما ضُربت طبلة "اكتتبوا" جرى الواحد قبل صاحبه" قلت له:" أو ليس ذلك من حقهم؟" قال: "من حقك إن أردت أن تقفز من أعلى هذه الشرفة"، وكنا في الطبق الثاني عشر! حاولت أن أوضح أن الاكتتاب وسيلة ربما الأكثر تأكيدا على الربح السريع بعد أن يعرض السهم في السوق "للمضاربة" .. رد بصوته الذي يوحي بأن مبنى العمارة بني على آخر أنماط الهندسة المضادة للزلازل: " هنا المشكلة يا أخي، لن تصلح الأمور. ليس أن الناس لا يريدون أن يسمعوا، بل هم يسمعون جيدا، ولكن يحبون أن يتجاهلوا ما يسمعونه، لذا فإن اقتصادنا سيتحول إلى جغرافية أخرى"، "كيف؟" سألته. " اكتتابستان!" ثم راح يمج شيشته بعنف.
يقول صاحبي: "إن كل ما قرأتَ صحيح، ونظريتك في الطاولة المقلوبة، وفي الهرم، وفي البيت وفي تسجيل الأهداف، وأنت تقصد- ولإشارة إلي- أن الذين سجلوا الأهداف هم المؤسسون، ثم إن الآخرين زُرِعَت في شباكهم الأهداف، دون حتى أن يعطوا حق اللعب.. أليس كذلك يا أخي؟" رددت وأنا أطرد هذه السحابة الغليظة التي تخرج من فمه:" ربما.." ، قال:" لا، بالضبط. لا "ربما" هناك، ولا تقلق فكلامك وكلام كل زملائك صحيح، وعلى رأسي (واضعا يده الكبيرة على جمجمته الضخمة) ولكن يا أخي الكل يلعب اللعبة وهو يعي ما يفعل، صحيح أن الغالبية لا تعي المنطق الطبيعي لتطور الأمور، أو لا تريد أن تعي لأنها حصرت نفسها في المنطقة المحزقة الضيقة لقطف الربح دون أي نقطة اهتمام بنوع الشركة، وطبيعة عملها، أو الدراسات التي خلفها.. وهذا بالضبط الذي يشجع مؤسسي الشركات على الضرب على أوتار الاكتتاب ، لأنها متاحة لهم من قبل جماهير الاكتتاب، وإن كنت في السوق فمن الغباء فعلا أن ترى مسلكا مريحا ومربحا فلا تسير فيه.. بل غباء شديد".
وقاطعته محتجا: "يا رجل خف الله" وتابع: وخف الله أنت أيضا وأنك هنا تتهم من لم يقم بجرم إطلاقا، إنها لعبة مكشوفة لم يُخفِ أحدٌ على أحدٍ شيئا أنه خطأ يحب الجميع أن يقع فيه. ثم إن كثيرا من الشركات "قد" ( يقولها رافعا حاجبيه الغليظين) تعمل وتحقق إضافة للاقتصاد الوطني؟ أنا معك، وأنا ضدك.. في آن." كيف ؟ سألته.
قال العارف ببواطن الأمور:" أنا لست معك حين تدعي أن هناك خطأ مفتعلا جرى، فالمؤسسون يجرون على الدراسات الاقتصادية وينشرونها ملاحق مع كل دعوة اكتتاب، أو أن الشركة قائمة فينشرون قوائمها كما هي موثقة حسب الأنظمة على جمهور المكتتبين. يعني، أن كل شيء جرى حسب النظام؟ هل تسمي من يطبق النظام خاطئا، إلا إن كان في عقلك جزء لم يُريط (وضحك رعدا)، وصحيح أن أسماء بعينها هي التي تؤسس وتربح وتبيع.. طيب ما شأنك؟ من قال للآخرين ألا يؤسسوا؟ يعني تنتقد من يعمل ومن يريد المزيد.. هذا حق الجميع.." وقلت متبرما:" طيب عرفت المقصود، ما الذي تتفق معي فيه، إذن؟" قال:" شيء مهم، لقد قـُلبت الطاولة برغبة وموافقة الجميع، والهرم، والمنزل، والأهداف جنيت قبل الزرع صحيح، وهذه آلية طبيعية لما تنتفي العقلية العامة، والأداة الرسمية المخططة والموجهة، إن اقتصادا يقوم على فلسفة الاكتتاب جمهورا وأعمالا يقود يوما إلى أمرين اقتصاديين كليهما ضار: إما الانكماش وإما التضخم.. يعني أن هناك ستكون إعاقة كبيرة لما تنحبس الأموال، وتكبر التخليقات الإدارية، قبل أن تكون تروسا تدور.. الأخطر لما يكون الصحيح أخذ لا لأنه صحيح ولكن لكي نتاجر بهذه الصحة. الصحيح أنه حق فردي أو لمجموعة من الناس أن يمارسوه، ولكنه في النهاية ليس صحيحا لكل الأمة إن لم يكن يأخذ مداه الطبيعي لتكون الصحة هي الهدف لا الوسيلة.. وإني "أنذر" أن كلَّ إجراءٍ نظامي يُستغل للربح السريع من الجميع كما هو حاصل، سيغطي على التفكير المنطقي أو حتى البديهي، وسيتعود الناس مع الوقت على أن تكون الطاولة مقلوبة.. وقبول كل أمثالك التي " أتحفتنا" بها. ( يقولها بسخرية مكتومة" "الحل؟" سألته.
"الحل : أن تضع السلطات تحذيرا، كما هو على عبوات السجائر.. بأن الدخول إلى السوق خطر على الجيب والحساب.. انتبه جيدا، وادخل على مسؤوليتك وحدك!"
"ولكن الناس يستمرون في التدخين رغم كل ذلك " رددت عليه.
وأجاب: "بالضبط!"
.. ثم راح يمج شيشته بعنف!
"من يرى إلهامًا في أي شيء، فإنه يملكه" محبكم: نجيب