مشاكل نظامية

سنة النشر : 20/06/2010 الصحيفة : اليوم

 
يقول لك الناس لا تتباه، وهذا صحيح.. ولكن هناك أشياء تحبّ أن تتباهى فيها وتُريها العالمين، لقد تباهيتُ برسالة «ناجي»، وما زلت أعتبرها أهم رسالة وصلتني بحياتي، ومن تلك الرسالة خرجت أندية ومشاريع باسمه في العالم العربي، وتبُنِيـَّتْ قوانينُ في الجامعات وفي التنظيم المعماري بعد رسالته.. ودار اسم «ناجي» شهيرا وصار له محبوه، وكانت تلك آخر رسالة يكتبها في حياته..
 
اليوم أتباهى برسالة أخرى: « القويعي، وفريال، وأنا ( أي عائد)، وقتيبة، وبندقجي، وتركستاني، وجاوي، وجاي، وبن فهيد، وبنكبكي، كنا غير مصدقين: فيه في هالبلد من يقدرنا ويسمع صوتنا.. آه ما أحلاك، جعلتنا نسكب الدمعَ غزيرا، وبلد فيه نحن وأنت سيكون عاليا شأنُها...» أما هؤلاء فهم من طلبتنا وطالباتنا الدارسين في الجامعات المصرية، أما ما عملته معهم فهو فقط أني جلست معهم.. ليس إلا.
 
وأنظر المكافأة.. فإن لم أتباه بها كعاطفةٍ صادقة من شباب عاديين فبمَ أتباهى؟ ولكن هناك درسٌ واعتبار. القصة من أولها، هي أني تلقيتُ دعوات من طلبتنا في الخارج، وكنت عاقدا العزم أن أبدأ من طلاب جامعة «كارديف» في «ويلز» بالمملكة المتحدة، ثم أني تلقيت رسالة خاصة جدا من طلبة سيتخرجون في القاهرة وأملوا أن أكون في حفل التخرج..
 
فأبلغتُ طالبَ الدكتوراه «عامر الحسيني» منظم لقاء كارديف، ليقبل تأخير حضوري. في الحفلِ كانت القاعة فسيحة في أحد أكثر فنادق القاهرة ترفاً، وكان الحفلُ باذخاً.. ولكني في الحقيقة لم أكن مرتاحا، وكان الأخ «محمد عبدالعزيز العقيل» الملحق الثقافي يبث لي همومه عن الطلاب ومجتمعاتهم وتفضل في أن يطلب رأيي في الحلول واتفقنا أن ننسق معا بعد الموسم الدراسي.. إلا أن هناك مع النوايا الحسنة أخطاء لا نستشعرها خصوصا وأنها نفسية وشخصية.. قلت إن الحفلَ كان باهظاً، ولكن التجمد المظهري، والمجاملة الوظيفية طغت على الحفل.
 
إني أفهم أن من تقاليد أي حفل تخرج هو التركيز أولا وأخيرا على الخريجين والخريجات.. لا أن يكونوا أضعف وآخر الحلقات، فبعد خُطب رسميةٍ، واستعراض لأعمال الملحقية ونادي الطلبة، وكل ذلك جميل، ثم شاعر المليون.. وكل أخذ حقـَّه وافياً، وقسْطاً زيادة.. في النهاية فوجئنا أن تُليت أسماءُ الخريجين والخريجات كالبرق، كلغة المزايدات في المعارض ودور بيع التحف، فلم يعرف الأبُ أو الأم القادمان من السعودية متى جاء اسم ابنهم ومتى صعد وهل استلم الشهادة؟ لقد كانت فترة تسليم الخريجين سلـْقا سريعا، فما كان مني إلا أن أخذتُ بعضي وغادرت بسرعة.. ثم جلست بالبهو أتأمل هفواتنا الكبرى، فبعد أن نبذل المال لا نعرف أن نضعه فيما كان يجب أن يوضع.. شعرت بقلبي يمغصني من أجل أولئك الخريجين الذين حتى لم يُنظـَّم طلوعُهم للمنصة فكانوا يتزاحمون مرورا عبر طاولات المدعوين من كل جهة.. حزنت، مع علمي أن الجميعَ بذل جهداً.. ولكن لمن؟ هذا السؤال بالذات لو أجيب صحيحاً في كل جهة رسمية لكنا أمة متفوقة في الأداء الرسمي.
 
ثم جاء من ذكروا في الرسالة وجلسوا معي وأجريناً حديثا عاديا، وبدأت شكاواهم كالمطر.. وقلت لهم فقط: الشكوى لا تفيدكم بل تضعفكم.. نظموا أنفسكم واعرفوا حقوقكم النظامية، وافتحوا قنوات معكم وبينكم قبل أي شيء، ثم تبادلوا حوارا منطقيا ومهذبا مع الملحقية..
 
وستجدون أن كل هذه المشاكل هي غبار على رخام، ينفُخ.. ثم يعودُ الرخامُ صقيلاً من جديد!