قصة إيرانية
سنة النشر : 08/07/2010
الصحيفة : اليوم
ما سأتطرق اليوم إليه قد يحتاج كاتباً رمزياً متمرّساً، ولا أجيد مهارات الرمز، فسنكون على مدرسة التاريخ يعيد نفسه، بظروف أخرى، ولكن بذات المغزى وبعين العاقبة.. وتلمسا وسعيا نحو الحكمة التي تقول أن نتعلم من التاريخ.. أو أخذ العبر من التاريخ.
من غرامي في قراءة تاريخ الأمم، ويقع في أولها التاريخ الهندي والصيني والفارسي، ولكن للتاريخ الفارسي والمناطق المحيطة بفارس، والتي طبعت فيها فارس ختم حضارتها تلك التي تقع جنوب روسيا الحالية مع أفغانستان وشمال الباكستان، طابعٌ ومذاقٌ خاصّان، مع سحرٍ دفـّاقٍ يجعل القارئَ يحلق في عوالم من الألوان، ويطير على سجاد عجمي فوق القبب الملونة التي تتماوج بريقا متوهجاً تحت أشعة الشمس..
لم يعرف القرنُ الثامن عشر رجلا أعظم ولا أجرأ من «نادر شاه»، لقد كان جبّارا عنيدا حديدي الرأي، ولكن لعبت معه الأقدارُ ألاعيبَ عجيبة..
حاول أن يكون رئيس عشيرته الصغيرة ويسَمَّوْنَ «بالأفشار» فأخفق، ثم حاول أن يكون إمبراطوراً فخماً مُهيباً على إيران والأفغان وتركستان وشطرا من الهند (الباكستان حاليا إلى غوجارات الهندية) .. فأفلح!
وبلغ من الفتوحات العسكرية، مما وقعتُ في قراءاتي، أن مؤرخين غربيين في تلك الفترة صاروا يطلقون عليه «نابليون الشرق» وكان تاريخ نابليون وحروبه ما زالت طازجة. وقد لقي منه العراقيون الويلات كما لقي هو وشعبه منهم الويلات- فما أشبه اليوم بالبارحة- فقد انتصر عليه العراقيون في معركةٍ حاسمةٍ، ودفعوا جيشه خارج حدود العراق..
ومن قصص هذا الرجل العجيبة، أن أميراً إيرانيا لمح بنتاً شاهقة الجمال في حفل باذخ غشيته الخيامُ الذهبية والولائم المطهمة، والإبهار الفارسي المشهود بأفضل المآدب والمفارش، ثم أنها صدّته عنها، فمنعها من السفر لبلدها واغتصبها لنفسه.. ومن كانت تلك الحسناء البارعة الجمال؟ ليست إلا شقيقة الحاكم الأفغاني الصُغرى.. فاشتكى لنادر شاه، الذي لم يتجاوب مع شكوى الحاكم الأفغاني المقهور، ولما يعبأ لحسراته.. غير أن الحاكمَ الأفغاني كظم غيظاً عظيماً وذهب لمكة والمدينة يدعو الله ويستشير العلماء، ثم جاءه حلمٌ في المدينة أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم نهض من قبره وناوله سيفاً لمّاعاً.. ففسره بأن الرسولَ يأمره بمحاربة الشاه.. وبالفعل قامت حربٌ ضروسٌ دُكّت
فيها أصفهان، وكانت عاصمة الشاه آنئذٍ، دكّا.. وطبعا، تزوج حاكم الأفغان، وكان اسمه «أويس»، بابنةِ الشاهِ المخلوع.. يُقال: قهْراً!
ثم ما الذي حدث؟ ضعف الطرفان فانتهز العثمانيون الفرصة وأوعزوا إلى «حسن باشا» والي العراق بالزحف على إيران، وبالفعل يقتحمها بجيوشه المعززة بالسلاح والخبرة العثمانية ويفتح أراضيها حتى «كرمانشاه».. ويقطفها للعثمانيين.
قلت لقرائي الأحباب إني لست كاتبا رمزيا لأُسْقِط الأشياءَ على أشياء.. ولكن تصوروا أن «نادر شاه» هو إيران الحالية أو «نجاد» إن رأيت.. وأن الأميرة الأفغانية المسلوبة هي «الجزر الإماراتية» التي احتلتها إيران.. وأن العثمانيين هم الأمريكان وتابعتهم المعروفة، لا نسميها حتى لا نلطخ ورقَ هذه الجريدة..
فقولوا لي رجاءً من الخاسر في هذه الحالة، ومن الفائز؟