في أرض السواد
سنة النشر : 01/08/2010
الصحيفة : اليوم
.. عاشَ رجلٌ حكيم في أرض السواد عازباً طيلة حياته، وكبُر بالسنّ وقرر أن يقوم بأمرين مهمّيْن ..
الأمرُ الأول، أن يتزوج.
الأمر الثاني أن يقتني فتىً يساعده في القيام بشئونه. عمد الرجلُ إلى سوق النخاسة ( حيث يباع النساءُ والرجالُ المخطوفون من بلادهم البعيدة) وابتاع أمةً.
ثم أنه عرج على القسم الآخر من السوق حيث يباع الغلمان الأفارقة، وقانصوهم أسوأ أنواع النخّاسين فقد كانوا يجمعونهم في حظائر مثل الماشية، جالَ الرجلُ في حوش النخاسة واختار غلاماً..
ورجع للمنزل بغنيمـَتـَيـْه! عقد الرجلُ على الأمَةِ وتزوجها، ثم أنها أنجبت غلاماً، وملأت زوجُه والولدُ الذي أطلق عليه اسم “ضياء” حياته، وعرف طعماً للسعادة لم يذقه من قبل.
والغلامُ الذي ابتاعه أسماه “مبروك”، وصار يساعده في شأنه اليومي، ويدربه معه على صنع الأدوات فنما إنتاجُه، واتسع رزقه..
يكبر ضياء، ويصير يافعاً نضرا ناضحاً بالحيوية، ومتدفقا بماء الشباب.. ويبدأ الأبُ الذي بلغ من السِنِّ عِتيـّا يفكر في حياة ابنه وزوجه من بعده.. العجوزُ يجلس القرفصاءَ على مصطبةٍ حجرية أمام حانوته الصغير، ويتأمل النخلاتِ الباسقاتِ في أطراف القرية حيث المزارع.. وسعفات النخيل توخز قرصَ الشمس الغاطس في الأفق الغربي..
ونادى ابنه ضياء، وقال له: “ يا بني، لم يعدْ لي عمر مديد، ولا أرجو في أرض السواد رزقا وافراً ، لذا عندما أموت ستجد وصيتي هنا تحت هذه الطوية الجلدية..” وقف ضياءُ على قبر أبيه بعد أن رشّ الماء على تراب القبر، وبدأ في الدعاء له، وتذكر ما حصل له مع أبيه قبل عام من هذا اليوم.
ذهب إلى الحانوت وفتحه، رفع الطويّة الجلدية، ووجدَ داخلها مطوية من قماش خفيف كتب أبوه عليها هذه الجملة: “لقد تركتُ لك هدية كبرى في مزرعةٍ بورٍ جنوبي الوادي، خذ الأدواتِ، واحفر الأرض لعلك واجدها.. ولا تنس أن تأخذ معك مبروكا.”
تناول ضياء الأدوات من وقته، وأشار لمبروك أن يتبعه.. بدأ الاثنان في حفر الأرض، بحثا عن الهدية المخبأة. ولكن الأرض البور كانت على امتداد واسع، فأمر ضياء مبروكاً أن يعمل في القسم الآخر من الأرض حتى يغطيا المساحة ما أمكنهما.. طالت الأيام وحُفرت الأرضُ مرارا، ولم يجدا هديتهما المخبوءة.. على أن مبروكا أشار علي سيده اليافع أن يبذرا الأرضَ ما دام أنها حُرثت بالمعاول.. انتشر الاثنان ومعهما البذار وصارا ينثرانه في الأرض المتلهفة، ثم بدأ السقي، ثم بدأت العناية، والتسميد، ولم يمر حولا إلا وقد ارتفعت سنابلٌ من ذهب ترقصُ مع الريح في أول أيام الربيع.. وجاء الحصادُ، وباع ضياءُ محصولَ قمحه الجيد، واشترى بذارا جديدا ، وعاملا جديدا إضافيا.. ووفر بعض المال.
يوما قال مبروك لضياء وهما يتناولان التمرَ في ظهيرة تحت ظل شجرة في استراحة بعد العمل: “أظن أني عرفتُ ما هي هدية والدك المخبأة بهذه الأرض”.
يرفع ضياء رأسَهُ، ويتساءل: “وما هي يا مبروك؟” يرد مبروك ضاحكا تشع أسنانَه البيضاء: “إنه هذا المحصول!” على أن ضياءً أطرقَ طويلاً، وقال: “لا أظن أن والدي كان يقصد المحصول، إنما كان يقصد أمرا أعظم قدرا.. أظن أن الذي قصد والدي أن الهدية هي من يُحيي الأرضَ، ومن يصنع الثروة” يتعجب مبروك ويحك رأسه متسائلا: “ما تقصد؟ ما هو الموردُ الذي قصده أبوك” يرد ضياء وكأنه فجأة وجد ضالته: “نعم صدقت، المورد! الذي قصده والدي ليس كنزا مخبوءا، بل هو إنسان.. أنت يا مبروك الهدية، أنتَ المورد!”.. وتعانقا!
تمر القرونُ.. ويعرف العالمُ مصطلحا هو.. “المواردُ البشرية!”