غاباتِ الأمازون

سنة النشر : 15/08/2010 الصحيفة : اليوم

 

أريد أن أسألكم ما الفرق بين الغابةِ، وبين البستان أو الحديقة الغناء؟ وأظن أن الإجابة واضحة عند كل منكم، يكفي أننا لا نقول إن الغابة الغناء، ولا نصفها بالتنسيق والبِدع والجمال.. أبدا.

في حادثةٍ قديمة عن رائد غاباتِ إنجليزي، كان يكاتب زوجته في لندن، ويقول لها: «متى أجتمع معك في لندن، حيث نتمتع في مناظر البساتين وحدائق الميادين والقصور، وأبتعِد عن هذه الفوضى الضاربة في الغابةِ العذراء التي لم ينظمها إنسان..» ثم تجيبه زوجته: «أين الفوضى في الغابة وهي النظامُ الطبيعي الأمثل؟!».. فرد عليها برسالةٍ تسربت لصحف أواخر القرن التاسع عشر: «هل أنت معتوهة، كيف يكون شيء منظم لم يبدعه عقلُ الإنسان؟!».

كلما أتذكر هذه الحادثة أستعيد حِكما جديدة في الخلق، فالغابة تبدو مشوشة، متشابكة الأغصان والنبات، وتُحجب الشمسُ في أدغالها.. بلا شكلٍ هندسي منسق ولا مترابط، بينما ترى أجمل الحدائق في أروع المدن وإذا عقلك ينتشي بالجمال لأنه يتماشى مع ما يفهمه من أطُر النسق والجمال والهندسة، فيرتاح العقلُ ويستوعب.. ولكن فات العقل شيء كبير جدا.. إن النظام الأكبر هو في الغابة، وليس في البستان المنسق.

ولكن العقل لا يمكن أن يستوعب من أول انطباع نظاما غاية في الدقة بحيث تفوق قياسات الإنسان.. فالغابة هي النظام الحقيقي والأكثر تعقيدا، تصور أن الغابة محسوب ضياؤها وظلامُها بمقياس، حيث تختلف الحيوانات والحشراتُ والهوامُ في بيئتها الحيوية في تلك القياسات، وتصور كم آلاف الأنواع من ذوات الأظلاف، والحوافر، والمخالب، والزواحف، والدواب، تعيش في الغابة كل في بيئته المنتظمة والمُقاسة حسب كل خلية حيوية في كل نوع.. والحبالُ الليفية في الغابات تعيش عليها الديدان وتتغذى الطيور، لك أن تتصور كيف أن في غاباتِ الأمازون مائة ألف نوع فقط من الخنفساء كل في بيئة مختلفة بالضبط والمقاس.. وهذا تماما ما حصل لما أراد العقلُ الإنساني أن ينظِم الغابة فإذا الحيوانات تنقرض، والنباتُ يجف، والبيئة الكونية برمتها تتغير.. لأنه مس النظام الطبيعي فخلق الفوضى التي تبدو نظاما.

ومن هنا لأننا نحن من سُنن الكون، ونتكيف مع قوانينِه، فالنظامُ يجعلنا نتناغم مع كينونتنا المثالية، وكأن في أبداننا أو في أدمغتنا ميقاتا لنشاط حيوي يتكيف وينمو مع النظام الذي هو قانون الكون، وما أسبابُ قلقنا وتأخرنا وارتباكنا إلا أننا لا نعطي النظام حقه الوجداني والعقلي.

وعندما جربت الأممُ، أو بعضها، النظام، تناغمت مع إيقاع الوجود، فنمت لأن هذا ما يولده النظام.