مُعَلمي
سنة النشر : 19/08/2010
الصحيفة : اليوم
«.. لا، يا مُعلـِّمي ربّما لم تعد ترى الآن كيف غيرت َ الأشياءَ. ولكني أنا أرى. إن العجلاتِ الآن تدور تلك التي لم تدُرْ من قبل. والريحُ تئِنُّ كما لم تئِنُّ من قبل.. وتقاطر الناسُ لمحفلِكَ الأخير من كل درْبٍ ومن كل مكانٍ وكل رغبةٍ، منوَّمين بسِحْر شخصيتِك في المماتِ كما في الحياة..
كل هذه القوة تجمعَّتْ بسبب فورة أحلامِك، واعتدادك بذاتك، وانتباهك لهدير عقلك، ولعصاك السحرية التي دارت في كل زاوية وجادة ومحفل ورؤى وزمان تنشر الهالاتِ حولك.. لو كنتَ ترى يا مُعَلمي، لو كنتَ ترى.. ولكني أرى.. رغم الدموع سأرى، فأنت الذي علـّمتني أنه يجب أن أرى قبل أن أبصر.. علـّمتـَني أن آخذ روحَكَ مشتعلةً وأكملُ الرحلةَ لدَحْرِ الظلام.. نمْ هانئاً.. فقد آنَ أن تنام.» ثم وضع المريدُ الطاوي ما كتب على شاهد معلمه، ومضى للرحلة.
قرأت هذه العبارة في مذكرات مريد من المذهب الطاوي الصيني، وتقوم على احترام وإجلال المعلمين، وهي رسالة كتبها أمام قبر معلمه الراحل، أمام كهنةٍ يحرقون أوراق السّرْو لتتحد مع روح المعلم في المعارج العليا.. وأنا أترجم الكلمات لم أرجع للفحص وكأني أكتبها من قلبي في قلبي.. وفجأة.. رنّ الهاتفُ وأنا بعيد.. كان الصوتُ حزيناً: «الدكتور غازي إلى رحمة الله.» نعم يا معلمي لقد أدرتَ عجلاتٍ صدئتْ لأنها لم تدُرْ.
قـُدْتَ عربتـَكَ وحيداً، يتبعك الناسُ أيّاماً يهللون ويرمون على الدرب الزهورَ، وينثرون العطورَ. وقُدتَ عربتـَك وحيداً وأنت في المناصبِ الكبار تعاندُ وتجادلُ وتبث رأيا منافحا لا تقبل غير ما «ترى»، فأحبك من بالخارج، وضاق بحزمِك من في الداخل.
قُدتَ عربتـَك وحيداً وأنت في محطةِ «العمل» الأخيرة فرُميتَ بالحجارة أكثر مما رُشِقْتَ بالزهور، وحتى الزهورُ كانت يابسةً شحيحةً وضنينة.. ولكنك دوما تقودُ هذه العربة وحيدا لا تلتفت للوراء، لا للمديح ولا للعواء..
كان في عربتِك كفايتُك، فأنت بزحمةٍ بذاتك، كنتَ بالعربة مثل ساحر القبعة، مرة تخرج ديوانا، ومرة تخرج قرارا، ومرة تخرج رواية، ومرة تخرج سيرة، ومرة تخرج مسرحية لك بالكامل أنتَ المؤلفُ والمنتجُ والمخرجُ، والبطلُ الوحيد.. ثم هذه القصاصات التي لا تنتهي التي تـُصرّ أن تكتبها بخط قلمك حتى كدت أصدق أن سكانَ الجزيرة وصلت لكل منهم قصاصة من القصاصات.
عرَبَتـُكَ كانت سيركا عقلياً فخما مبهرجاً متنوعا مجبولا على التصميم والعناد والقوة وعبقرية التفرد وحلاوة لا تقاوم في الروح، وجبروتا لا يقاوم كأعاصير الجزر في المبدأ.. المبدأ الذي هو من صنعك وإيحائك.
عربتـُك لم تترك طريقا لم تسلكه، عربتـُك لم تترك نفـْساَ في البلاد لم تجُل بها، أمّا تتهافتُ كريشة تراقصها النسائم، أو تهبّ كزوبعة شوك تمر ثم تترك الأثر.. كنت في عربتك وحيداً، وكلنا كنا نتزاحم حولك. كلنا يريدُ شيئاً من غازي، يريد منه كلمة، حرفا، أو قطعة لحم.. أو قطرة دم. كلٌ أخذ مبتغاه! والعربة تمضي.. طلبتُ منك راجيا أن تعتزل بنفسِك لنفسك، لعائلتك لإخوانك وأخواتك وأحبابك قبل أن يتساقطوا..
ثم جاءتني هذه الرسالة: «لعلي أسقط قبلهم!» نعم الجميع سيسقط.. ولكن دواليب العربة ستستمر تجري في ردهاتِ التاريخ بكل ما حمِلـَت وحيدةً.. حتى من قائدها! يا ربّي استلمتَ الأمانة برمضان.. اللهم إن رحمتـَك تسع السماواتِ والأرض.