نادي أوسكار وايلد
سنة النشر : 09/09/2010
الصحيفة : اليوم
“ حياتي أريدُها أن تشع لا أن تفرقع”- أمين الريحاني.
انهمرتْ على بريدي رسائلُ، تسأل سؤالاً واحدا: “ولماذا أمين الريحاني؟”. وتعجبت من هذا السؤال الذي نبع من غير مناسبةٍ وأتفق عليه جميع السائلين، حتى تفضلت الدكتورة شوق من المدينة، وسألت ذات السؤال، ولكن تفكيرها العلمي جعلها تتنبه لذكر السبب: “لأنه وصلتني رسالة من موقع “التويتر” والخاص بعاصم الغامدي يقول ان نجيب يوصينا بقراءة الريحاني.” والحقيقة لا أذكر متى قلت ذلك لعاصم، وربما كان بلقاء فطور الناجحين الذي حدثتكم هنا يوما عنه.
وكلام “عاصم” صحيح.. فلي ولعٌ لا يخفى بهذا الرجل. وأول ما قرأت له كان كتابَ ملوك “العرب”، وأسرني بأنه أول من كتب أدب الرحلات بالعربية بآليةٍ أسلوبية متحركة ( قد يقول قائلٌ ان “أحمد فارس الشدياق” قد سبقه، وهذا صحيح، ولكن تفضل بقراءة “الشدياق” وستجد أنه شغـَلـَتـْهُ غراباتـُه اللغوية عن مشهديات رحلاته.) في صغري لم أعرف أدب الرحلات إلا من كتب الإنجليز.. ثم عرفتُ أن الريحاني عاش جُلّ حياته في أمريكا، ولما كتبت عنه مرة في مسابقة لأرامكو، كان السيد “ريتشي” يعمل في إدارة التدريب في الشركة، فأهداني كتاباً بالإنجليزية اسمه “خالد” لأمين الريحاني.. وكان كتاباً خلابا من أجمل ما يقرأ باللغة الإنجليزية.
وعرفت شيئين عن الريحاني، الأول أنه عاد من الولايات المتحدة ( وكان قد وصلها طفلا) شاباً أمريكيا خالصا لا يعرف العربية الفصحى، ولمّا أراد أن يتعلم العربية عشقها، كتب عبارةً لا أنساها- من الانجليزية-: “وكأن عالمَ الكلام والإفصاح الحقيقي في أروع بهائه فتح أمامي على مصراعَيه. بعد معرفة العربية لا يمكنك تذوّق لغة أخرى.” والشيء الثاني.. أو سأتركه إلى ختام المقال.
أعجبتني جملته:”قل كلمتك وامْشِ”، نعم، فليتخاصم بعدك المتخاصمون وليقدح القادحون، وليُطر الثنـّاؤون.. فتعلمتُ أن لا أردّ على من ينتقد موضوعاً لي، لأني كتبتُ والناقدُ كتـَب وليحكم القاضي الحقيقي: من يقرأ ما كتبنا. وأن تبقى الكلمة مشعّةً لا مفرقعة.. أو بلهجتنا “مطرطعه”.. تبُخّ ثم تموت!
وكوني عضوا في “نادي أوسكار وايلد” العالمي، وأشارك في اجتماعاته وطروحاته، فلأنّ أمين الريحاني كتب يوما في كتابه الذي جمع أطرافا من مقالاته الإنجليزية عن الأديب الأيرلندي العبقري النزق، وقال: “انه اخترع لغةً انجليزية جديدة لمعشر الإنجليز.” وكل أدب الريحاني عصارة تعلـُّمٍ باختيار، علّمَهُ مفكرو القرن الثامن عشر الفرنسيون والفلاسفة الوضعيون كيف يقرن النظريات بتجسيداتها العلمية فتصبح ذاتاً متكاملة في الروح والجسد، رغم أنجلوساكسونيته الغالبة، وانظر الانفتاح الفكري هنا.. ثم وقع مُريدا مخلصاً لمناهج الفكر الإسلامي الفلسفي، وهذه حكاية تـُروى.. ليس الآن!
نادى الريحاني طول حياته الفكرية العملية بالتسامح الديني والوحدة الوطنية والحرية والتقدم فإذا”ريحانياته” ورحلاته ورواياته “خالد وجهان” و”زنبقة الغور” تزدحم بشخصياتٍ تنشد المبادئ العليا.
وسأقول لكم شيئا: هل تعلمون أن أمين الريحاني أول من قدّمَ للغرب ترجمةً سائغة لأشعار أبي العلاء المعري.. كتب بعدها الناقد وستنكسون في “إل أي هيرالد” ذلك الزمان: “الآن عرفتُ أن “دانتي” لم يكن إلا تلميذا عند أبي العلاء!”
ومن صومعته في ضيعة “الفريكة” في لبنان أدارَ معركة استقلالٍ كامل.
وهل تعلم أنه، أول من أشار إلى موارد النفط في المشرق العربي؟!
أختمُ عائداً للأمر الثاني: الريحاني له مقالٌ بالإنجليزية بعنوان: “أخي النصراني تعال معي للمسجد”، ويقول انه لا يجد روحانيةً في الكنيسة، ويجدها كاملة في المسجد!
عيدكم مبارك..