الأولويات
سنة النشر : 16/09/2010
الصحيفة : اليوم
.. ليس العيب أن نكتشف أن الفقر موجودٌ ويفرض هذا الوجود بقوة وتزايد، لكن العيب ألا نعترف به، والأعيَبُ ألا نعْمُدَ لإيجاد حلولٍ له. فإنّي لا أخاف أعداءَ الأمّةِ الخارجيين كما أخافُ عدوَّ الأمة الداخلي : الفقر! للفقرِ حلول، وربما هذا ما غفلنا عنه، أو لم نتحدث حوله. تجنبناه كما يتجنب المريضُ الخائفُ مظاهرَ المرض خوفا من الطبيب ورهبةً من العلاج.
وسطَ محاولاتِ الإخفاء والتظاهر والتغافل، يكبر غوُل الفقر يوما بعد يوم غير آبهٍ، ليجد من عقلية الإغفال، والتمظهر، والتصنع أن كل شيء على ما يرام، بيئةً دسمة ليزداد حجماً واتساعاً.. وضراوةَ.
صحيح أن الفقرَ ملازمٌ دهري، لكن من الممكن التخفيف منه، بل إن دولا تكاد لا تشكو الفقرَ لأنها جعلت الفقرَ التهديدَ الأول الذي يجب التنبه له ومكافحته. فالسويدُ أكثر نجاحا من الولايات المتحدة في القضاءِ على الفقر تقريبا بشكلٍ كلي، ليس لأنها أغنى، فحجم الثروات أعظم في أميركا.. لكن المسألة كلها مسألة أولويات، ومسألة تضحيات من أجل الرفاه العام. حلولُ المسألة عندنا قد تكون هي الأولويات.
الأولويات في الصرف المالي على القطاعات، وعلى الظروف، يعني يجب أن تكون هناك غير مسألة البنود ومناقلة الحسابات بين أبواب الميزانية، نظرة إنسانية واجتماعية واقتصادية منفعية ونفعية وحدية تبنى عليها الميزانية.. ولو فعلنا- برأيي- لاستقامَ وضعُ الفقر وبشكل قد يشارف حتى القضاء عليه في الوقت المنظور، وبدون التضحيات التي يقدمها الفردُ والأمة للرفاه العام كما في دول أخرى.
فقط بأن نضع أولوياتٍ للصرف قبل توزيع مصاريف الميزانية، قد تكون الحل الذي نراه عسيرا وهو يسير.. لا يمكن أن الادعاء بأننا نتبع ميزاناً صارما في سلم الأولويات في الصرف، بل نرى كيف تطيرُ ملايين في مواضيع لا تستحق وتفيض، ونرى كيف يجفّ تدفق المال على مواضيع تكون هي بالفعل الأكثر استحقاقا.. ونقصد بالأولوية، والاستحقاق الأكثر، حين تكون التوابع أو النتائج عميمة ورفيعة وعادلة حين التصرف السليم في المال، أو تكون النتائج وخيمة وظالمة متى تعسر وصول المال.. نبني جامعات بالمليارات ولا نعتني بالمخرجات، وهنا أولوية ضائعة، أعطيك مثالا : هل تعلمون أن مخرجاتِ معهد الإدارة العامة ـ خصوصا في التسويق والمحاسبة والتمويل ـ أفضل من المخرجات الجامعية؟ وهل تعلم أن خريج دبلوم في معهد الإدارة العامة تتسابق عليه منشآت القطاع الخاص أكثر من خريجي البكالوريوس؟
وتعال انظر، لو أن الدراسة في السنة تكلف الدولة في المتوسط لكل طالبٍ عشرة آلاف ريال، فإن خريج الجامعة يكلف أربعين ألف ريال (في حالة السنوات الأربع)، بينما خريج الدبلوم ـ سنتان على الأغلب ـ سيكلف النصف، على أن هذا ليس التوفير أو الترياق الشافي باختصار الإنفاق، بل الحل الحقيقي والواقي ضد الفقر والحاجة هو الحصول على الوظيفة، فلا يجد من صُرِفَ عليه أربعون ألف ريال وظيفةً، ويجدها من صُرِفَ عليه النصف، وهنا ما نسميه المنفعة الاقتصادية الحدية في نظرية العمل الاقتصادي .. وحل للبطالة.
كم كلفت الجامعات؟ وكم عددها؟ وكم عدد المعاهد المتخصصة؟ من هنا ستجدون منطقة كبيرة للتساؤل. هل وضعنا نظريتنا مسألة الأولويات ونحن ننسى الصيانة، ودراسات الصيانة ؟ أم في النفقات الإدارية الهائلة، ونغفل أو نقلل من حاجة الأمة التنموية الأولى في الفرد والعائلة وتنمية المناطق لإيجاد فرص العمل الذي يخلقه طلبُ التطور والتطوير..
وسأترككم أعزائي لتسجلوا في ورقة، ولن تجدوا صعوبة، كل ما ننفقه بعيدا عن الأولويات، وما نشح به على أهم الأولويات.
ولتصحيح الأمر، سجّلوا قيودا محاسبية تُنقـَل فيه المصاريفُ طبقا للأولويات!