عانس

سنة النشر : 07/10/2010 الصحيفة : اليوم

 
جاءني من «فجر» – الاسم مستعار- رسالة:
 
«أنا فتاة في السابعة والعشرين من عمري، منذ دخلت هذا السن والنظراتُ صارت ترمقني كالسهام الملتهبة، وكأني ارتكبت ذنبا، أو كأنني أمشي ومعي ثقل من العيب.. وشعرت أني عضوٌ يجب أن يخرج من جسد البيت وإلا فسُدَ وعطُن.. ولأول مرة أسمع كلمة «عانس»، ودخلت الكلمة لقمة مسمومة أزاغت وجودي.
 
نجح من حولي في أن جعلوني أكره نفسي، وأخاف من كل صباح جديد، يؤكد هذه الصفة الموحشة، إن لم يأتِ من يطرق الباب ليتزوجني. وانقطعتُ عن المجتمع القريب، فالكل يسألني بتطفـّلٍ كريه: «لماذا لم تتزوجي بعد؟»، وما أسخف من الحال الذي أنا به إلا هذا السؤال الذي صار معلقا في أذني كما يُعلـَّق حلقٌ حارق.. قلْ لي: ماذا علي أن أفعل؟»
 
فجر:
 
لا تفعلي شيئا، استمري في حياتك مثل كل يوم، ودعيهم هم في ما يدور في أذهانهم فهذا شأنهم، وليس شأنك. أقول لكِ يا فجر، بأنك في فجر العم، وفي طلعة الحياة، وفي لطافةِ رحيق الزهور، وعندما لا يجد أحدٌ إشراقاتِ الفجر، وطلائعَ العمْر، ولا مذاق رحيق الزهور، فالمشكلة ليست مشكلة لفجر، ولا هي مشكلة بوارق العمر، ولا مذاق الرحيق.. إنما هي مشكلته!
 
لم أجد أكثر خداعا من هذه الكلمة «عانس»، ومرة أتذكر أني كتبت: «ولم لا يسمى الرجلُ عانسا أيضا ما دامت الصفة بالمذكر؟!».. وسردتها على سبيل المزاح، لأن الأمرَ عندي في هذا الموضوع لا يحتمل أكثر من المزاح في المنطق السليم، وفي التفكير الناضج، وفي الحكمة العادلة.
 
المرأةُ بالذات آخر من يُلام في قضية الزواج خصوصا في مجتمعنا، حيث إن البادرة يجب أن تكون من الرجل، ولو جرأتْ فتاةٌ على أن تنطق ولو حرفا باسم من تختار، أو أشارت ولو من بعيد، لنعَتْ عليها النواعي بقلة الأدب وضياع الأخلاق.. فكيف يلام على فعل من هو مكبل أصلا دون أن يقوم بأي فعل؟ ليس منطقا، وليس عدلا، لذا فهو من باب المزاح..على أنه مزاحٌ بطعم العلقم.
 
شيوعُ هذه الصفة وهذا الاعتقاد في مجتمع إنما يقلل من شأنه، ويسطح طرائقَ تفكيره، ويخلق لنفسِهِ عيباً وهميا ثم يتلظى فوق سفودِه. ان تعيش الفتاة ومن أول عمرها بكابوس وهمي وفي مسألة الزواج لهي من أعظم ألأمور تأثيرا مزعزعا للمجتمع، معناهُ أن الفتاة قد تهرع لأي رجل يطرق الباب ولو لم يكن مناسبا، ثم تبدأ حياة تجعلها تبكي دما على الحياة الفائتة، وتأثيره المركب على الفتاة، عندما تنهار أركان نفسيتها، وأولها احترامها لذاتها، وليس آخرها اعتبارها لوجودها.. فينجح المجتمعُ بأن يرسل لها رهابا نفسيا متلازما يؤثر على حكمتها وقوة إنتاجها في دراستها، وأمور حياتها، فنشل متعمدين مجتمعا يحمل عواملَ متجذرة بالشلل.. وبدل أن نتحرر ونخرج من شرنقة حكناها لأنفسنا، فإذا نحن نجعل الوهم شباكا تسقط فيها فتياتنا الغاليات، اللاتي بإمكانهن، لو أعطيناهن الاحترام، تغيير كامل المجتمع للأفضل.
 
فجر: أود أن أخبرك أن فتاة في عمرك أرسلت لي بأنها تفكر في ناد لغير المتزوجات لتشجيعهن على العمل والابتكار وتبادل الرؤى والنشاطات والأفكار.. وأشرت عليها فقط أن تغير الاسمَ إلى «النساء الطموحات» حتى لا تعيق عقبات الفهم الاجتماعي المشروع لأهميته. وها أنت ترين كيف يكون التفكير إيجابيا.
 
يا فجر.. قولي لي من لا يتمتع بجمالات الفجر، من الخاسر هو.. أم الفجر؟
 
تنويه: ذكرت في المقال السابق أن كلمة «لاتيه» هي كلمة فرنسية، ونبهني للخطأ الأخ محمد العبدالله الزامل، بأنها كلمة ايطالية وهذا صحيح، فالحليب بالفرنسية هو «لايه».