العنف والأطفال
سنة النشر : 14/10/2010
الصحيفة : اليوم
صوتُ أمرأة- نجيب الزامل لو سمحت..
• معك..
• خذ ابني يصرّ على مكالمتك!
صوتُ طفل- تسمح لي أقول لك قصتي، على شرط تنقذني (وهي كلمة انطلقت كالرصاصة عبر أذني إلى قلبي، وأخافتني)..
• تفضل يا بابا، ولا أعدك إلا أن أفعل كل ما يمكنني عمله من أجلك.. ما عندك؟
• أنا سمينٌ.. (ثم يبكي).
وتعجبت أن يبكي فقط لكونه سميناً، فالسمنة- ولله الحمد لم تعد أمرا غريبا- على أن بكاءَ الطفل بشحنات متشنجة، أفصحت عن أمرٍ أكبر.
• أنا سمين، وهذه السمنة لعنة كل حياتي..
• أوه، أو.. قف هنا يا بني، إن أردت أن أكون معك وأساعدك، فيجب أن تشطب هذه الكلمة من كل حياتك، اللعنُ ليس أمرا سهلا على اللسان، إن وعدتني استمررنا..
• طيب (يتشنج)، أنا عمري إحدى عشرة سنة، وسمين رغما عني، فأنا لا آكل فوق المعتاد، ولكنها في الأسرة، أبي سمين..
• أين المشكلة يا بابا؟
• المشكلة أن أبي مع أنه سمين، يضرني كل يوم ويقول إني شؤم عليه وأن سمنتي تجعله «يزهق حياته»، وأني لست ابنه، وأني غبي، ولقد كُسرت يدي عدة مرات، فهو تعوّد أن يلويها حتى يغمى علي من الألم، ثم ينكسر ساعدي. آخر مرة.. أصرت الطبيبة أن تبلغ الشرطة، ولكن أمّي رفضت، لأن والدي من الممكن أن يرمينا في الشارع- طبعا هو يضرب أمي ويهينها دوما- فأصرت الطبية إما أن تبلغ الشرطة، أو أن نجد طريقا آخر، ثم اقترحت علينا أن نكلمك، وأخذنا رقمك من جمعية العمل التطوعي.. وأصرت الوالدة أن أكلمك أنا.
• طيب، تسمح لي أن أجتمع بأبيك..
• إيه.. (ويبكي..)
في الصباح التالي، ذهبت للأب في مقر عمله، وكانت سمنته واضحة، أما ما فاجأني على غير توقعي أني وجدته رجلا عذبَ الملامح، طفولي الوجه، بنظـّارة طبية، وله عينان صغيرتان، ويغلب عليه خجل مُربك.. ولما عرف أني جئته لأمر شخصي، لاحظت ارتعاش يديه واندهاشه مع خوف واضطراب.. وتعجبت أن يكون هذا الطفلُ الكبير وحشا في المنزل.. على أن شخصيته ساعدتني أن أتناقش معه بسهولة حتى التهديد..
في المساء حضر لمكاني الأبُ والابن، وأقسم الأب، بطوعه وإلحاحه، على المصحف وبحضور شهود من عنده، وكنتُ اقترحتُ عليه اسمَ شيخ احترمه وأحضره هو معه، على أن لا يضع يدا، أو يسيء بكلمة للابن ولا لأمِّه.. وإني أرجوه صادقا.
على أن هذه المسائل لا تُحل دوما بهذه البساطة، وإلا صارت الدنيا رياضا تغطيها زهورُ الفواكه، وتغني على دوحها البلابلُ.. وليس الساديون بهذه الصفات الطفولية التي عند ذلك الأب.. على أنه فتح مشكلة اجتماعية كبرى موجودة، مشكلة من أكثر المشاكل سوداوية وروعاً وضياعاً لإنسانية الإنسان.
يجب أن تكون الآن عندنا مصارحة كاملة بأن العنفَ تجاه الأطفال لم يعد ظاهرة صغيرة في مجتمعنا، فهو منتشر وبكثرة، ويتفاعل بشدة كل يوم.. المجتمع يجب أن يعالج أمراضه مهما ظن أنها صغيرة وإلا أمرضته كله. يجب أن نفكر في حملةٍ مفتوحةٍ وغير تقليدية علمية وعملية ومستمرة وقابلة للتطبيق ونافذة تصل حتى داخل البيوت مع قوة تعزيزية يخولها القانون، وأن تكون هناك مكاتب مراقبة ومتابعة، وخطوط هاتف حمراء للتدخل السريع..
وإلاّ فإن من كُسِرَتْ يدُهُ يوما سيكسر يدَ المجتمع لما يكبر!