معلـّْمي
سنة النشر : 21/10/2010
الصحيفة : اليوم
.. لم يعرف الشابُ خالد العياف القحطاني حين دعاني لمحاضرةٍ في غرفة الأحساء أنه قدّم لي هدية أنتظرها منذ زمن .. ولم أخبره! وأنا أدلف لأول طريق الهفوف، ومنازلها تتقافز وراء الأفق، قفزت أيضا دمعة من عيني، لأن ذكرى شخص إحسائي غال عندي مرت بخاطري فعصرت الذكرياتُ حزمةَ عواطفي لتخرج تلك الدمعة الحارة ..
معلـّْمي رجلٌ لم يفصح عن اسمه ولم يُرِدْ، علمني هاتفياً لمدة عشر سنوات، وأعاد صياغة ذهني، وفتح المعارفَ الإنسانية أمامي، كان يجيد الفارسية والأردية والإنجليزية كأهلها، ومرجع باللغة العربية لا يشق له غبار، إن قلت إنه عبقرية الرافعي والعقاد ونيتشه وسعدي وإقبال جمعت معاً من الصعب أن يصدقني أحد، ولكن أنا أصدّقني .. فقد كنتُ معه، وتتلمذت عليه، لم ألحق على مرضه فقد كنت في خارج البلاد، عدتُ لحضور الصلاة على جثمانه ودفنه، لم يكن في المقبرة إلا أربعة أشخاص.. وأنا.
لذا كان النقاشُ، لما أخبرتُ المجتمعين والمجتمعات عن معلمي، عن صفة التواري المشهودة عن الإحسائيين، وقلت لهم إن قيادات الإدارة المميزة إحسائيون، وصناع الأعمال الكبار إحسائيون، وعاملو الثقافة والأدب والفكر إحسائيون، فما بال أعمالهم لا تصبّ أنواراً تزيح هذا الإهباطَ في الأحساء، وقد أبدع أحد الحاضرين وما زالت كلماته ترنّ كالصدى المتكرر في وعْيـي حين قال: «نعم لنا هذه القدرات المتفوقة، ولكن هذا التواري والتراجع عن رفع اسم الأحساء، هو الذي جعل الفكرَ الإحسائي يُشـَيـَّعُ فقط من أربعة أشخاص»، وكان إسقاطاً هائلا ومذهلاً، جعلني، منزوع الإرادة، أصفّق متأثراً، وربما بما لا يليق بما يجب أن يكون عليه سمْتُ المحاضرين ..
الإسقاطُ أنه شبـَّهَ كل الحراك العقلي الإحسائي وصهَره وصبّه في أستاذي الذي عاش مجهولاً، ومات مجهولاً.. بإرادته. ومن قال إني تحليتُ بتلك الأمسية برصانة المحاضرين؟ بل إنه من نوع من الادعاء من قبـَلي أن أخلع على نفسي صفة المحاضر، لم أكن إلا راوياً لحكاياتٍ، وكنت كمن يتسامر ويضحك ويتناقش ويسأل ويطلب الإجابات لأسئلةٍ شاغلةٍ في عدم رضانا العام، وشكوانا من واقعنا..
والجميل أنهم قدموا لي الإجابات، ولم تنتهِ الجلسة مع المحاضرة، بل استمرت في أكثر من موضوع شاغل وكأن المحاضرة نوع من النقاش الجماعي بدأ في المحاضرة المرسومة، ولم ينتهِ نقاشاً ما بعد ذاك في الوقت غير المرسوم.
استمر النقاشُ دائراً مع السيدين صالح حسن العفالق رئيس الغرفة ومحمد العبد العزيز العفالق، ومع الدكتور محمد الهرفي، ومع كاتبنا والعامل الاجتماعي الدكتور سعد الناجم، ومع أكثر من شخص استوقفني بعد الاجتماع، ومجموعاتٍ زارتني في الفندق قبل وبعد الاجتماع إلى اليوم الذي يلي ..
ووعدتُ نفسي بأن أكمل حديثاً مع الدكتور يوسف الجبر لم يكتمل .. وأكتب هذا والمكالمات الهاتفية لا تنقطع من كل الأطياف .. جميلٌ، جميلٌ جداً.
على أن المناسبة لم تمضِ بدون بزوغ روعة الشباب، لقد تخلل المحاضرة تقديمٌ لفريق «أولاد وبنات الإحساء»، ومن بداياتهم أعدّوا برنامجَ منتدى الكرتوني لأعمال التطوّع سيتعدى بلادنا إلى العالم العربي، بل إلى كل ناطق باللغة العربية ..
وعلى رأي المصريين: «أول دخولهم شمعة على طولهم» !
ذكرتُ مسألة الأعمال التطوعية وربطها بمعنى المواطنة الحقيقية المخلصة، فعمّتْ الحضورَ روحُ العمل التطوعي وجرى النقاشُ حول هذا الميدان المهم، وكأن الروحَ التطوّعية صارت هواءَ الجلسة وتخللت خلايا عقول الحاضرين وقلوبهم وضمائرهم.. قلتُ لهم مودعاً:
جئتكم بدمعةٍ حزينةٍ، وأغادركم وفي العين الأخرى دمعة، دمعة فرحٍ بلقائكم ..