نصيحة
سنة النشر : 28/10/2010
الصحيفة : اليوم
وردني هذا السؤال من عروس تقول فيه : «أرسل لي وعريسي نصيحة»..
أيها العروسـان، ليست سلسلة قوية هي التي تجعل الزواج متماسكا، وإنما الخيوط، آلاف الخيوط الصغيرة والدقيقة التي ينسجها الزوجان عبر السنوات..
نحن في زواجنا يا أحبائي ننسج قصة، وهذه القصة لا تتم فصولا بين يوم وليلة، لكنها تتم فصولا عبر السنوات، وهي تتم أكثر من مرة في الحياة الواحدة، تتم لأول مرة عند الطفل الأول، وتتم مرة أخرى عند الثاني، وتتم لما يدرس الأطفال ولما يتخرجون ولما يتزوجون..
قصة ملحمية ننسجها كل يوم لتكون روايتنا وحدنا، رواية كل زوجة، ورواية كل زوج، لذا أقول لكم : إن أعظم ما في الزواج أن روحين ونفسين وعقلين يقتسمان نهرا من الذكريات لا يجري إلا لهما وحدهما، ولا يشرب من مياهه إلا هما وحدهما، ولا يعرف منابعه، ولا مساره، ولا مصابه، إلا هما وحدهما.
قصة عظيمة لم يكتباها إلا هما، لم يقرأها حرفا حرفا إلا هما، يعرفان بدايتها، وهما أكثر من يتشوق لمعرفة خواتيمها. هما يصنعان عالماً لهما وحدهما، وهو عالم يتصل بالخارج، ثم يقف عند عتبة بيتهما. إنهما يصنعان شيئا فريدا، من أعظم ما ينجزه اثنان، رجل وامرأة، عبر كل الدهور.
من يتنازل عن عالم ساحرٍ آسرٍ وخاصٍ مثل هذا؟! أجيب عنكم فأقول : يتنازلُ من شاء بإرادته ( أو إرادتها (أن يمزقا كل صفحة في حياتهما، أن يجففا النهر الذي نبع في قلبيهما، أن يحطما أسوار حديقتهما الخلابة لتكون مشاعة للعالمين.
كنا نقول : إن الخيوط الصغيرة هي التي تشكل السلسلة في النهاية، لكن ليست السلسلة هي التي تربط عهود الزواج، إنما هو كل خيط صغير حكتماه معا.
يعني، اليوم خرجتما للتبضع معا، خيط. ويوم داعبتِ عريسك وشددتِ شعرَه حتى احمرّ وجهه غضبا، خيط. يوم رفع ذقنكِ إلى عينيه وتأمل في وجهك زمنا، ثم قال : إنك مصدر الجمال لكل الدنيا، خيط.
ويوم تشاجرتما على شراء فستان، خيط. ويوم قال لك : إنك تميلين لأهلك، خيط. ويوم تزمجرُ زوجتك في وجهك وأنت قادم متأخرا من الاستراحة ورائحة الشيشة تفيض من كل خلاياك، خيط. يوم تمرضين، خيط. يوم هو يمرض، خيط. أيام تبكيان فيها خيوط، وأيام لا تسعكم الكرة الأرضية من فرحتكما، خيوط، لذا فهي أيضا حروف في صفحات، صفحات في فصول، فصول في كتابٍ يكبر كل يوم، ويحمل المفاجآت كل يوم، لكن لا معنى له إن أوقِف، أو مُزِّق، أو سمحنا لأحد أن يدس أنفه في صفحاته. قصة لكما فقط، نسيج من خيوط حكتماها معا. وبإصرار كما على إكمال القصة، والإبحار حتى السواحل، ستصلان إلى صفحة تستمر طويلا، وشاطيء تبقيان فيه طويلا. إنه تواؤم العمر، لتكونا الشريكين اللذين لا يستطيعان الانفصال.
عاش جدي زوجا محبا ومخلصا خمسين عاما، ثم توفيت جدتي شريكة عمره، وكان في ذروة عافيته ونشاطه، ثم تدهور سريعا، وصبر بإيمان على فراقها حتى مات فجأة بعدها بأشهر..
وعرفنا أنه اشتاق إلى رفيقة عمره، وأنتما تدخلان اليوم الأول يجب أن تعلما أن حياتكما قصة طولها خمسون سنة وأكثر لابد أن تكتباها معا دقيقة بدقيقة، يوما بيوم ، سنة بسنة .. حتى تصير حياة واحدة!