المتزن

سنة النشر : 25/11/2010 الصحيفة : اليوم

 
..توفـَّى قبل البارحة ناصر بن عبدالله الميموني.
 
قد لا يعرف معظمُكم من هو؟ وبالطبع ستترحمون عليه، فقد رحل شاباً جميلا، كما عاش طيلة حياته إنسانا جميلا. على أنكم لو عرفتموه لعرفتم أن فراقه لن يكون سهلا، ليس فقط فراق الأبدية، فهذا مع ألمه وحزنه العظيمين، إلا أنهما يتجللان بتلك القوة الراسخة من الثبات التي يضعها الله في قلوب من يعرفونه، ويعرفون سعة رحمته، ويعرفون أنه استعاد روحا هو لا غيره يملكها في البدء وفي المنتهى.
 
ولكن الراحل لمن يعرفه فقيدة كبرى، لأنه من الناس المتزنين جدا، الذي لم أسمع في حياتي منه كلمة غاضبة، بـَلـْهَ أن تكون قاسيةً أو نابية، في حق أي أحد.. كان يقول إن لم نؤمن أننا كلنا خلق الله، وأن واجبنا تجاه كل واحد من خلقه أن نحب له الهداية والخير فنحن نخالف مبدأ أوليا.. لذا وهو الملتحي، لم يغضب يوما أبدا على ما يسمع ولا على ما يقرأ من الجهات المتضاربة أكان خطأ في تفسير تعاليم الدين، أو في تطبيقه، أو في البعد الصريح عنه..
 
كان يقول ويكرر: “لكم أرجو من المشائخ الكرام ألا يتعارضوا مع من ينبو أو يزِل.. فهو أولا ليس مقامهم فينزلون لمقام أقل، وهنا هم عرّضوا أنفسهم بذلك النزول.. ثم أن طبيعة وخلق المؤمن العالم هي السماحة والعقل والحكمة لا الغضب والإسفاف..” ويكرر: “ماذا لو كانت المحبة هي السائدة، ماذا لو صدقنا الظاهر بلا تفسير للباطن، وهو يجب أن يكون أول ما يتجنبه المؤمن العالم.. لأن النية لا يعلمها إلا الله.. ولن يعلمها إلا هو، فلا سبيل إلا الظاهر.” كان ناصر، مناصرا للجميع، يدعو لشاب ملتح صغير، ويدعو لشاب عاق يقول إنه يعرف أنه يدخن أمام والدته لإغاظتها. وهنا ما أسميه بالفجر الإنساني، والفجر هو الصفاء الضوئي الخالص من رِبْقة الظلام الخالص.
 
ثم تبدأ الشمس بالنزول مفسحة لنسب الظلام بالمشاركة فتختلط حتى نهاية النهار لتظلم الليالي. كان ناصر فجراً دائماً لم تغب ابتسامته الفجرية عن محياه الفجري، كلما أراه يقبل أرى الفجرَ يتنقل بصحبته بهالة من الطيبة والعمق والإيمان والإنسانية.. وأقول لنفسي لو كنا كلنا مثل ناصر، لكُنـّا أمة الفجر حقا.. لمَا تخاصمنا، ولا تحاربنا، بل لأخذنا بأيادي بعضنا البعض لطرق الهداية القويمة، والخلق المستقيم، والطبائع الفُضلى.. والإيمان العميق.
 
ناصر مثل خطفة الفجر.. إن كان للفجر عيب فعيبه أنه خاطف، لا يبقى كثيرا، ولكنه يترك أثرا كبيرا، غاب ناصر محققا ممازجته المحتومة مع الفجر، فخطف قلوبنا ورحل. وعزاؤنا أنه رحلَ فجرا.. عزاؤنا إن شاء الله أنه خرج من الدنيا كما دخل إليها. خرج للدنيا من ظلام، وتخلص طيلة حياته من رِبْقة الظلام.. فكان نوراً لم ير إلا نورا.. أكتب عن ناصر ليس لأنه قريب إليّ، أو لأنه يهش كلما رآني كما يهش للجميع، بل لأنه يمثل الاعتدال والمحبة وحسن الظن والدعوة الصادقة.. وعندما كتبت عن اللغط الذي دار مؤخرا حول التراجم بين جبهتين وضرورة الاجتماع واللقاء، توقعت أن يكون أول من يهاتفني.. وبالفعل كان أول من اتصل.
 
لذا لو عرفتم ناصر ربما تفاءلتم، حتى بعد رحيله، لأن في الدنيا، بل في مجتمعنا من هم مثله، متصالحين مع الناس، متصالحين مع ذواتهم.. متصالحين مع العالم والكون. سأفقدك يا ناصر ليس فقط لأنك ابن خالتي وصديقي.. بل لأني أراك فجراً يشعّ بالتفاؤل والحكمة والخير. رحلتَ، ولم تضُنّ علينا.. أبقيتَ الفجرَ في قلوبنا.
 
اللهم انقله بأنواره إلى عليين .. مقام عبادك المقربين المنيرين.