هذا البريطاني
سنة النشر : 05/12/2010
الصحيفة : اليوم
.. دخلت مركز الأعمال في أحد الفنادق في تونس لأتصفح الإنترنت،الغرفة ضيقة بسيطة الإعداد، وكانت هناك فقط شاشتان. ولما كان المكان ضيقا فإن من يجلس بجانبك سيكون قريبا جدا حتى أنك تسمع أنفاسه، أو حين يهمس لنفسه، أو عندما يغير وضع ساقه لأنها قد ترتطم بقدمك، فكيف إذا كان بجانبك رجل هائل التركيب تتجاوز كتلته المائة والثلاثين كيلوغراما.
كان الرجل الذي بجانبي ضخما بصورة ملفتة، حتى أنه يملأ معظم حيز الغرفة الصغيرة، وينتشر جسده ليحيط بك في كل دائرة من حولك، في آخر العقد السادس أو أول السابع من عمره، شديد الاحمرار مثل ثمرة الطماطم لما تكون جاهزة للانفجار من نضج واحتقان الحمرة.. لن يخذلك ظنك إن ظننت أنه بريطاني عريق فعلم الإمبراطورية محفور بوشم على ذراعه المترهلة الضخمة.. ما بقي من عضلات مفتولة من عمرٍ مضى.
لم أستطع أن أركز على الشاشة، فكانت يده التي بحجم تمساح صغير تعصر علبة الكولا بأصابع ثقيلة وعريضة وملتفة وكأنها تمساح أو فك تمساح، ثم يروح يعصر ويعصر، حتى صرخ فجأة صرخة مكتومة من ألم مفاجئ، وخرج الدم طائشا من إبهامه.. وهنا فزعت، وقلت له: ما الذي حدث، هل تريد إسعافا؟ ولما نظر إلي بوجهه القاني وعينين زرقاوين صغيرتين، وأنف عريض انكب على أرنبته كل مخزون الحمرة في العالم، قال لي مهدئا: لا تنزعج، أنا أكتب! أكلني الفضول أكلا، فالجملة سوريالية، أو عبثية، أو أنها تعني شيئا، وربما كان هذا الشيء بديهيا ولكني لم ألتقطه أو أفهمه، والدليل كأنه ألقى التحية ثم راح يعصر العلبة من جديد، وكلما أردت أن أجمع جرأتي لأعيد الاستفسار وجدته غارقا في العصر والكتابة معا، وساعده الضخم يحجب الوجه القاني، ووشم الأسد البريطاني الأخضر يحذرني من مغبة المحاولة.. فبلعت لساني، رغم فورة فضولي.
التفت فجأة وقال لي بلهجة جنوبي لندن الفجة: «اللعنة، هل تتكلم الإنجليزية وسط هذا البحر الفرنسي، لم أستوعب ذلك إلا بعد فترة، لقد تفجر غضبي من ندرة القدرة على التخاطب».
ووجدتها فرصة من ذهب فسألته: - لم قلت لي بعد أن تدفق الدم من اصبعك أنك تكتب؟ - ها.. ها.. (ثم أخرج غليونا وسألني إن كنت لا أمانع من تدخينه الغليون، وابتسمت مؤشرا بطرف عيني، لأن هناك لوحة تمنع ذلك، إلا أنه قال غليوني فاضي من التبغ.. ثم الضحكة الغارقة بكحة عميقة: ها.. ها) ثم تابع:»اسمع يا صاحبي: الكتابة ليست فقط أن تأخذ قلما وتكتب، أو تضع أصابعك ( مادّاً أمامي أصابع كفه التمساحية) على لوحة المفاتيح..الكتابة شعور، أو هي نقل شعور أليس كذلك؟ ( لم يقف ليلتقط إجابتي رغم أني أومأت بالموافقة) الكتابة يا صاحبي بما أنها شعور إذن فلن يكون الكاتب ناقلا حقيقيا للشعور للقارئ إلا أن كان صادقا في نقل الإحساس، وبما أني وصلت إلى أن البطل وهو في حالة من الغضب والحسرة والحيرة كان يعصر علبة معدنية حتى انجرح، فكنت أحب أن أنقل هذا الشعور الضمني في القلب والعقل، والوجع المادي وشذرات المعدن الحاد يخترق اللحم لينفجر الدم الساخن.. لقد التقطت الصورة، أليس كذلك؟» - نعم.. وأنا متعجب جدا، أن تكون كاتبا صادقا في نقل شعورك هكذا.. - لا، لا هذا سر الكتابة يا صاحبي، أو سر ذيوع كاتب عن كاتب، لما ينقل الكاتب الشعور الإنساني بصدق وتجربة فإنها قطعا تنتقل للقارئ ثم يتبناها بفضل صدق المشهد وهنا يكون الكاتب شعبيا، يعني حين كتب «همنجواي» عن الحرب فلأنه خاض الحرب وأصابته بويلاتها.. ولما كتب «وايلد» عن آلام الوحدة والدونية ونبذ المجتمع فلأنه عانى من ذلك طيلة حياته، إنها التجربة بإسقاط الحالة والمعرفة الحقيقية على الرواية أو شخوصها مثل «دان براون» فإن بطل قصته في «شفرة دا فنشي» أو في روايته «ملائكة وشياطين» إنما يعكس شخصيته هو كبروفسور في علم فك الرموز التاريخية.. وأنا شخصيا أكتب عن شخص مولع بالنحافة والرشاقة وجمال الجسد.. ثم فقد ذلك.
ولكن معذرة، أنت ما صلتك الواقعية أو الإسقاطية بالبطل؟ - لصيقة تماما، لا تنظر إلى وزني الآن فأنا كنت طيلة عمري رشيقا مفتولا عاشقا لجسدي حتى الثمالة.. ولكني سمنت فجأة وهنا المعاناة، معاناتي ومعاناة بطل روايتي.
- ما الذي حدث؟ - أنها الأدوية اللعينة! - أي أدوية؟ - أدوية السرطان، إني أموت يا صاحبي من سرطان البروتستات الذي انتشر في كل جسدي!