الشهنامة

سنة النشر : 09/12/2010 الصحيفة : اليوم

 
«كان أخي عذباً كلّ العذوبة»- رسالة هاتفية من الأستاذ سليمان الباحسين. ..الأخ هو الشخصُ الذي تتقاسم معه خامةَ الحياة بالفعل. هو الشخصُ الذي تشبه خليته العصبية خليتك العصبية، هو الشخص الذي تتقاسم معه صفة الكروموزومات بالتكوين ونفثات الفعل. هو الشخصُ الوحيد، الذي فيه من معادلة تركيبك، وفكرك، وخواطرك. الأخ هو الشخص الوحيد في هذه الدنيا الذي فيه لمعةٌ من نفسك، وفيك لمعة من نفسه، فيه شعلة من روحك، وفيك شعلة من روحه.
 
هو الوحيدُ الذي تتهافت الأنسجة في وحداتها الأولى لتتحد في هيولي يكوِّن هويتك وهويته مدمجة في الكيان الحيوي، وفي اللواقط الداخلية، واالمستقبـِلات الخارجية. الأخُ هو شيءٌ منك، وأنت شيءٌ منه، وعندما يرحل الأخُ يرحل منك جزءٌ معه لا يعود.. ولكن يبقى بأثره، بمضامير الحياة التي عشتماها معا، يبقى بطاقتك الحيّة التي تشابه طاقته التي كانت حيّة.. ولما فقدت السيدة «هناء بنت عبد المحسن الزهير» أختها، أول ما التفتتْ بالتلقائيةِ إليه هما ابنَا الأخت، لأن القلبَ الذي يعطف عليهما في قلب الأم الراحلة هو ذات النبض الذي يهتف من أجلهما حُبا ورعاية ومسئولية في قلبِ الأخت.. وهنا سر وجوهر الأخ والأخت، إنهما نسختان ليستا متطابقتين بالكمال، لكنهما متبادلتا الدور بما يشبه الاكتمال.
 
الأخ لا يعوّض.. في «الشهنامة» وهي جمْعُ الحكمة الفارسية قصة عن سيدةٍ وقع زوجُها وابنُها وأخوها في الأسر، وذهبت تستعطف القائدَ ليفُك أسرَهم .. فقال لها : «لا يمكن إلا أن أطلق شخصاً واحدا منهم فقط .. أو اقتلهم جميعا، فاختاري».
 
بلا ترددٍ اختارت المرأةُ أن يفكّ أسْرَ أخيها وهي تقول : «إني أحب زوجي حبا لا يعلم مقدارَه في قلبي إلا خالقُ ذاك القلب، ولكن من الممكن تعويض الزوج بآخر، وولدي هو حشاشة النفس، ودفق الروح، ولكن من الممكن على عظم مصابي فيه أن أضعَ ولداً آخر.. إنما أخي وقد مات أبي وماتت أمي وليس لي غيره فهو لا يعوَّضُ أبدا، لذا اخترتُ أن تطلق أخي.» وتقول الرواية : إن القائد استحسن ردّ المرأة ثم أطلقَ الثلاثة. وكان أخونا سليمان ينعى أخاه الفقيدَ الصالح «محمد بن صالح الباحسين»، ولكن لم يخطر بباله إلا فقدان وجود كان من ضمن مكوّنات وجوده، وأن هذا المكوّن كان عذبا، وأول الفقدان كان فقدان عذوبة شيء من الوجود، وهي عذوبة لا يتذوقها أحدٌ غير سليمان وشقيقيْه عبد الكريم وعبد الرحمن، ولا يمكن أن نعرف تماما ما طعم هذه العذوبة، ولن يعرفوا هم نقل الصفة والشعور لهذه العذوبةِ إلينا.
 
الإخوان حين نفقدهم لأنهم من مسوِّغات كينونتنا نبتهج بأولادهم تماماً كما نبتهج بأولادِنا، ويجيء البدلُ الطبيعي لتستمرّ الحياة للأبناء طبيعية بعد فقدان الراعي الأول، فإذا الرعاةُ الأخوة يأتون بدفع التيار الغريزي الطبيعي، وتعوَّض الخسارة بإحلال عاطفي وحيوي ووظيفي له من طعم العذوبة السماوية القدر الكافي ليكون الراحل أو الراحلة لا يغيبان تمام الغياب.
 
إن أجملَ وأروع وأنفس وارقّ ما تملكون هُنّ شقيقاتكم، هم أشقاؤكم .. هم لا يعوّضون. مهما أحببتم من الناس، ومهما تشرب هذا الحبُّ في تربة النفوس، يبقى الأخُ والأختُ هما الأهم والأقرب.. بحتمية التكوين، لا بخيار الإرادة، لذا اجعلوا دوماً مسارب العذوبة مُصانة ومفتوحة مع أشقائكم.. فإن سُدَّت فإنكم سددتم شيئا من عذوبة الحياة نفسها! اللهم ارحم من ماتوا من أحبائِنا، واسقهم من عذوبة الكوثر.