التقاعدُ وجَوْدةُ الحياة

سنة النشر : 21/05/2014 الصحيفة : اليوم

 
"التقاعد هبةٌ. هديةٌ تأتي في وقتها المناسب".
 
عبرتْ بذهني تلك الخاطرة بمناسبة تكريم أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف متقاعدي الإمارة، وهي لفتة مهمة وعميقة المعنى، وتعطي القيمة والاحترام والتقدير والعرفان لجهود الرجال الذين سفحوا سنين من أجمل سنين أعمارهم في خدمة هذه المنظومة الإدارية المهمة.
 
وصارت جزءاً من أطول سنين حياتهم، وستبقى معهم ما بقوا، وبدأت أعيد النظرَ في مسألة التقاعد وأتأمل، وإذا الأبواب تنفتح أمامي لتأخذني لعوالم جميلة ومتنوعة، ومنتجة، وربما أكثر إنتاجا من قبل، خصوصا لما يكون الإنتاجُ يحقق "جودة الحياة" للمتقاعد نفسه.الآن، بعد سنوات قدمتها عملا للآخرين وكان واجبك، حان أن تعمل من أجل نفسكهاأنت تقاعدتَ بعد أن أعطيتَ وترى أنك لم تقصر في العطاء، في هذه المرحلة الطويلة هل نسيت شخصاً مهما جدا؟ أظن نعم.
 
نسيت نفسك، وحان الآن أن تلتفت لنفسك وتربطها بجودة الحياة، فليس بالضرورة أن العملَ الروتيني من صفات جودة الحياة، فأهم ما تعنيه جودة الحياة هو الإثراء الشخصي معرفة وسعادة وانطلاقا وحرية واطمئنانا.
 
حان لك أن تستند لمقعدك وتفكر، ستجد أن هبةً نزلت عليك من السماء، جوهرة قضيت حياتك تبحث عنها وإذا هي لامعة براقة بين يديك. ستكتشف أنّ من أهم مقتضيات الحياة هو أنه جاءتك الفرصة الذهبية لأن تفعل ما تريد أن تفعله، ومنعتك قيود العمل منه.
 
هذا الشعور سيعطيك مدداً جديدا في معنى وجودك، مدركا أن التقاعدَ لا يعني نهاية المشوار، بل بدء مشوارٍ جديدٍ أزهي وأجمل، وأنك أصبحت أخف، وتخلصت من القيود. الآن، بعد سنوات قدمتها عملا للآخرين وكان واجبك، حان أن تعمل من أجل نفسك.
 
وما تود أن تعمله ليس مُجَدوَلاً ولا مُرغِماً، لك الخيار واسعاً أن تفعله متى تشاء، في المكان الذي تشاء، وفي المدة التي تشاء، وهي قيمة أخرى ستفهم جوهرها، بل ستتساءل سعيدا: "أين كان هذا الجمالُ عني، ما أجمل الحياة التي أعيد اكتشافها الآن؟".
 
 إن كنت تحب القراءة حان أن تقضي وقتك في قراءة ما تحب، أن تتجول في المكتبات كما تحب، وأن تحضر معارض الكتب في أي مكان وقت تشاء، وكأن العالم يستجيب لرغباتك.
 
إن كنت تحب العمل اليدوي، فحان أن تبني ورشتك الصغيرة وتقوم بأعمالك الابداعية إرضاءً لنفسك واسعادا لها.
 
إن كنت محبا للأعمال الاجتماعية فحان الوقت لتربط أُسَرَ عائلتك المتشتتة عبر البلاد وتجمعهم في مناسباتٍ وتعزز روابط الأسرة حتى لا تهن وتضيع، وتكون صمغ الأسرة ومغير طبائعها للأفضل، وستنال رضاً ينعشك ويجعلك سعيدا بنفسك.
 
وربما أردت أن تغمس يدك وعقلك وروحك وضميرك في أعمال تطوعية تقوم بها من أجلك، وسترى بابا آخر من تلك العوالم الجديدة يمد لك بساطه الأحمر، وتُقدَّم لك باقاتُ الزهور.
 
وأنت في الطريق الحر لإسعاد نفسك تكون قد خدمت مجتمعك، وربما وجدتَ نتيجة ستدهشك؛ أنك خدمته أفضل مما فعلتَ في سنوات العمل.
 
ولا تنس: المهم هو حجم إرادة الحياة داخلك، وليس حجم الحياة خارجك!