الفئرانُ أكثر التزامًا منّا في الحضور!
سنة النشر : 22/07/2014
الصحيفة : اليوم
سؤالٌ من الأستاذ ع. ر. د، يقول فيه: عُينتُ مديراً لمدرسة، وفرحتُ طبعا بالمنصب، وانتقلت من بلدي للمدينة التي بها مقرّ المدرسة.. وأصِبت بخيبةٍ كبرى. المدرسة متداعية جداً، الأسلاكُ الكهربائية تخترق الجدرانَ وتتلوى كالثعابين، والحشرات والأوساخ لا تصدق، وهذا يبدو أنه انعكس على طلاب المدرسة، فوجدت نتائجهم الدراسية مخيّبة، وليس هناك تجاوب يذكر من أهاليهم، وأزيدك أن المدرّسين لا يدخلون مكاتبهم لسوء الحالة، وأنا أحدهم.
انظر أستاذي، إن القيادة -وأنت الآن بمنصبٍ قيادي حقيقي ومهم جدا- هي عبارة عن أكبر مغامراتنا، بل تكاد أن تكون القيادة أكبر مغامراتنا في الحياة على الإطلاق، القيادة من معانيها قلب الأوضاع السائدة، أي قلبها للأفضل والأحسن وهنا جوهرُ القائدِ وجوهرُ القيادة، إن هذه القدرةَ على قلب الواقع السائد إلى واقعٍ أفضل لن يفيد فقط المنشأة التي يديرها القائدُ ومن فيها، بل سيؤثر بحتمية التتابع الرياضي على البيئةِ والمجتمع المحيط.
«بيتر درَكـَر» واحدٌ من أشهر علماء الإدارة قرأت له كتابا عن القيادة، وأذكر أنه روى بها قصة سررتُ أني استرجعتها بعد قراءة رسالتك الفضفاضة، فأرجعتْ لذاكرتي تفاصيل القصة التي أوردها "دركـر" وتكاد تطابق قصتك.. وأما ما يخص سوء الحالة فربما هي أكثر.
في مدينة "بالو ألتو" بكاليفورنيا، مدرسة عتقت وتداعت، فخرجت الأسلاكُ من بطون جدرانها، والجدران بلا لونٍ وملوّثة بالكتابات عليها، وبلاطها متقشع، وحماماتها -أجلكم الله- كانت حمامات، فلم يبقَ بها شيءٌ من معالم دورةِ مياه، وكانت الفئران بأعداد كبيرة تسرح بها حتى أن الطلاب يقولون إن الفئران أكثر التزاما منا في الحضور.
والخبر الأسوأ إنها خلال عشر سنوات هرب منها أكثر من اثني عشر مديراً ومديرة، وغنيٌ عن القول إن طلابها سجلوا أقل معدلات تحصيل بكل الولاية حسب رواية "دركر".
ثم عينت مديرة جديدة فيها قوية العزم، وميزة الإصرار، وقوة الإرادة، وحضور الشخصية، وقبلت الوظيفة التي لا يري دها أحد متحدية نفسها، والذي صار باختصار أن المديرة دارت بإلحاح على كل الشركات في المنطقة، وعلى كل فرد في البيوت وفي التجمعات، تضع أمامهم شكلا جديدا عصريا كما تخيلته وتريده للمدرسة وتطلب منهم أن يقوم كل بدور لتحقيق الحلم، والحلم هو أن تكون أفضل مدرسة بالولاية، وأعلى تحصيل لتلاميذها، وبالفعل نتيجة إلحاحها توجه متطوعون من شركات، فنظموا الكهرباء، وفرقة أعادت ترميم المدرسة، وفرقة أعادت دورات المياه وقسمتها وجعلتها دورات مياه صحية أنموذجية، وتبرعت شركة تابعة لمايكروسوفت بالأجهزة الإلكترونية رفعت المدرسة لأعلى ما وصلت إليه التقنية التعليمية، ثم إنها طلبت من الطلاب صبغ المدرسة وتبرعت شركة بتوفير الأصباغ، ثم قام الأهالي بتجميل الواجهة، وأحضروا أشجارا وزرعوها بالساحة الترابية أمام المدرسة، والأجمل أن البيوت المحيطة دهنت واجهاتها بلون واجهة المدرسة، بعد سنتين حصلت المدرسة على جائزة أفضل مدرسة وأفضل طلاب من دائرة التعليم في كاليفورنيا، وأنت يا أستاذنا صدقني، تستطيع.
وفي المنطقة عندنا مدير التعليم د عبد الرحمن المديرس ذو حسٍّ تطويري، ومن معرفتي به أعتقد أنه سيتبني اقتراح جائزة لأفضل مدير مدرسة (أو مدرسة) تطوّر نفسها ذاتيا.
وأتمنى لك التوفيق، وأدعني لزيارة مدرستك.. بعد سنتين!