هذه الجريدة.. برأسٍ أم برأسين؟

سنة النشر : 22/04/2015 الصحيفة : اليوم

 
هذه الجريدة ليست لملاكها، وهذه الجريدة ليست لأعضاء مجلس إدارتها.. وهذه الجريدة ليست لجهاز تحريرها، ولا لموظفيها. أصحاب هذه الجريدة الحقيقيون هم القراء.. ومن هنا نبدأ. عندما يباركون لمجلس الإدارة الجديد فهذا من حق المجاملات الطبيعية والمعتادة والمطلوبة، وأنا أهنئ مجلس الإدارة مع المهنئين.
 
ولكني من عشرات الآلاف من قراء جريدة اليوم نهتم بها، ونحب لها أن تكون الأفضل، بل ونعتقد أن بإمكانها أن تكون الأفضل. لطالما كانت هذه الجريدة هي الوحيدة، والممثل الوحيد للصنعة الصحفية للمنطقة، وتعلـقـُنا بها هو من تعلقنا نحن ابناء المنطقة الشرقية بأن تكون صورتنا الفكرية والحضارية أفضل، ومن يمكن أن يحقق لنا ذلك سوى جريدة محترمة فكريا ورصينة منهجيا، ومتطورة علميا وعمليا.
 
لما جاء الصديق الأستاذ محمد الوعيل ليرأس هذه الجريدة قبل سنوات كتبتُ مقالا بها بعنوان: "انتبه.. إنها وحيدتنا". لم تعد "اليوم" الآن وحيدة، ولم نكن نريد لها ذلك، كنا نريد لها روح المنافسة الوقادة، كنا نريد لها أن تكون مولدا لا يهدأ للأفكار الإبداعية، كنا نود لها أن تكون جريدة متأهبة أربعة وعشرين ساعة طوال أيام السنة على رؤوس أعصابها لا تنام ولا تكل.
 
كنا نريد، وما زلنا، أن تنقل عنها كبريات دور العالم الإعلامية، كنا نريد وما زلنا لكتابها أن ينهضوا شهرة ضمن مقدمة كتاب العرب، ولم لا؟ فالجريدة بها عقول استثنائية تكتب بمختلف المواضيع، لم لا؟ فالجريدة تملك الموارد المالية والبشرية.
 
فإذن، يبقى شيئان: إيمان بهذا الهدف، والثاني إدارة عملية سريعة ذكية مرنة خبيرة جادة تقود لتحقيق الهدف.
 
في الأسطورة الأغريقية كانت "هيدرا" تتحول لرأسين في جسد واحد، وكان هذان الرأسان يتقاتلان، وكانا من سبب هزيمتها أمام هيركيوليس، ومن هنا يتجنب الجسد الإداري الناجح أن يكون برأسين يتخاصمان.
 
أقول لمجلس الإدراة صراحة وأنا أتكلم من الداخل لا من الخارج: إن كثيرا من التضاربات حصلت بجريدة اليوم؛ بسبب وجود رأسين في هذه الجريدة. رأسان لصحيفة واحدة، رأسٌ إداري بحت، ورأس تحريري بحت.
 
رأس تجاري بحت، يتبع أصول التجارة نظما ومحاسبة وتسويقا وتفعيلا للأرباح، ورأس يتبع أصول الحرفنة المهنية الصحفية التي تقدم النوع العقلي والفكري قبل القيد الحسابي والنظرية الإدارية الاقتصادية. وكلاهما صحيح، ولكن من قال إن صحيحين ينتجان دوما صحيحا، في حالات كثيرة يكون العكس. وأقول صراحة -وأرجو أن تحسب أنها صراحة المحب-: إن هذا وضع الجريدة في مأزق التطور البطيء، التطور البطيء في أفضل التعابير تفاؤلا.
 
الجريدة أصبحت فخمة تجاريا، وبساقين هزيليتن في الصنعة الصحفية. فإذا كانت الصنعة الصحفية هي المقدمة فلا بد أن يكون الساقان متعافيان وبعضلاتٍ بارزة مشحونة بالطاقة الحركية والمرونة المفصلية. تنجح جرائد كثيرة نجاحا خفاقا؛ لأن رئيس تحريرها ومديرها رأس واحد، وهذا في تقليدنا الصحفي ناجع، ويجب أن تنتبه جريدة اليوم بمجلس إدارتها الدينامي أنها أمام طريقين لا ثالث لهما، إما أن تكون برأس واحد مثل جرائد محلية وناجحة تجاريا (توزيعا، وحصدا للإعلانات) ومادة فكرية وتقريرية صحفية، أو أن يبتدع هذه المجلس الحيوي آلية تجعل كلا الرأسين يتغذيان من الجسد، فلا يمكنهما التضارب، لا أن يكونا هما اللذان يغذيان الجسد فيضطرم التضارب.
 
هذا والسلام.