هؤلاء الكتاب.. أهُم مُدَّعون؟

سنة النشر : 10/05/2017 الصحيفة : اليوم

 
أحب أن أجيب عن سؤال أخينا القارئ المثقف أحمد رشيد. والأستاذ أحمد يسأل بلفتةٍ دقيقة: «أقرأُ لكتاب هذه الصحيفة، وقليل من صحف أخرى. وأرى أن جلهم يعظون ويوجهون وكأنهم كُمّل ونحن عصبة من الناقصين.
 
والسؤال المهم هل الكتاب يدعون المثالية، أم أنهم كذلك؟» وأقول لحبيبنا أحمد ليس هناك كاملًا، والمثالية مسعى وستبقى كذلك ولن تكون محطة وصولٍ أبدًا، وإلا ركد العالم. وأما كتاب هذه الجريدة- ولا أستثني من ذلك إلا نفسي- فهم نساءٌ ورجالٌ أفاضل ولا أظنهم يعطون وجهًا ويقلبون وجهًا آخر.
 
لكن هناك شيئا مهما ومنطقيا، أود أن نتباحثه أنت وأنا معًا، وهو كما صنف ابن رشد والغزالي وقبلهما أرسطو اليوناني بفصل الفكرة عن مصدر الفكرة، بدعوى أن العقل يعمل مستقلا عن الهيولي (وهوالتصنيف الفلسفي للجسد الحي).
 
أتود أن أعطيك مثلا بسيطًا؟ طيب.. مريض يدخل على طبيب ويجد أن رئته فاسدة من التدخين، فينصح الطبيبُ المريض بأن يقطع التدخين لمضاره القاتلة. ثم في ركن للمدخنين يرى المريض طبيبه الذي نهاه عن التدخين يدخن سيجارة بشغف الجواعى.
 
هنا ظهر أن الطبيب بمادته الفيزيائية يتناقض مع نفسه، وهذا قراره ويخصه وحده. ولكن، وتمعن هنا لو سمحت، هل نصيحته للمريض صحيحة أم لا؟ واضح أن نصيحته هي الصحيحة، وهذا المهم وهذا ما نأخذ به، لأن نصيحته نافعة للمريض، وإن عمد الطبيب بنفسه لشفط النيكوتين السام لرئتيه. أعظم من كتب عن المرابين الجشعين هو شكسبير أديب الانجليز المسرحي الأشهر، وذلك في مسرحيته تاجر البندقية، وجعل كل من قرأ تلك المسرحية يقرف من المرابي اليهودي شايلوك، ويفرح الجمهور ويصفق لما انتصر الطيبون عليه في المحكمة.
 
أنت تتفق معي أن أحدًا لم يصور جشعًا لمرابٍ مُقرضٍ كما صوره شكسبير في شايلوك اليهودي حتى صار أيقونة البخل التي ينفر منها الناس. أتعلم أن شكسبير كان معروفا بمنطقته بأنه مقرض ومرابٍ شرس لا يعفو عن أحد مهما كانت ظروفه، ويجرجرهم في المحاكم.
 
كما أنه، وانظر كيف يتمادى بسوء طبعه، لا يسدد ديونه، ويتهرب من الضرائب، ولم يُعرف عنه أن مدّ بنسًا واحدًا لفقير. هل أثر هذا على نجاح مسرحية شايلوك؟ لا. ما زال يقرؤها البلايين بإعجاب منقطع النظير من مئات السنين.
 
فحتى تكون عادلاً مع الكتاب لا تقرأ ما وراء حجب النفوس. فأنت عليك بما تعلمه وتقيمّه فيما يكتبون، ولا عليك فيما لا تعلمه فيما يتصرفون.