سنة النشر : 08/12/2008 الصحيفة : الاقتصادية
.. احتفظتُ بهذه الرسالة لتكون في يوم العيد هذا، فهي قد وصلتني قبل أسبوع من شاب سعودي فضل ألا يُفصَح عن اسمه، واخترتُ له اسم عبد الرحمن هنا، وهي من جمالها، ومنطقها ورقيها وعمليتها وفائدتها، تصلح أن تكون عيدية لنا جميعا، ليكون هذا المجتمعُ مجتمعا متحرِّراً من واحدة من أسوأ العاداتِ المظهريةِ والصحيةِ، عادةُ التدخين. التدخينُ يعصف بمجتمعنا، ويخرَّب صدورَ صغارِنا قبل كبارنا، ونسائنا ورجالِنا، ويرهق ميزانياتنا الصحية، ويُهْرِقُ دموعاً من أعزاءٍ على أعزاءٍ، خُرِّبَتْ رئاتـُهم حتى الموت..
وفي الرسالة فلسفة حياةٍ كاملة، ومعادلة توازن بين الشخص في قراراته وقوة تأثير وسطوة عاداته، وتسفر عن أن الإرادةَ البشرية قويةٌ وقادرةٌ عندما تـُعطى لها الفرصةُ الحقيقية لتكشف عن قصص حياتنا التي لم تتم بعد، فكل منا قصة ما زالت قائمة ومستمرة، وفيها فرص تغيير مسارِ القصة متاح متى تولت الإرادةُ الداخلية التحكم في مجريات الرواية.. وتصحُّ لكل شخص، في أي مجال يريد أن يخرج منه أو يدلف إليه، وليس محتوما على المدخنين.. وهنا الإثارة والحبكة في قصصِنا الشخصية: إننا نخلقُ نمطَ بطولاتِنا، وعالمنا والقصة تُتلى.. قصةُ كل واحدٍ فينا.
وقصة هذا الشاب الذي يعمل في الصحةِ التنفسية، وأخذ فيها شهاداتٍ معتبرة، يرويها بحكمةِ المجربين العارفين، وبإنجليزيةٍ فصيحةٍ (اعتذر عنها مراراً، لأنه لم يعرف، ولم يعلـِّمهُ أحدٌ الطباعة َبالعربية)، وبأسلوبٍ حابس للأنفاس، أترجمها كالتالي:
" .. تصور نفسكَ واقفاً أمام حافةِ غديرِ مياه. والغديرُ هادئ، رائقٌ، وناعمٌ كصفحة زجاج، وفي يدك حصاة. ثم ها أنت ترمي الحصاة في ماءِ الغديرِ، ومن المكان الذي غاصت فيه الحصاة سترى مويْجاتٍ تعكرُ صفحة َالماءِ الساكن، ثم تبدأ هذه المويجاتُ تأخذ طريقها في كلِّ مساحة الغدير متجهة إلى حوافِّهِ، إلى أن تعانق الترابَ قبل أن تعود وتهدأ..
كل واحدٍ منا هو الغديرُ، وكل فكرةٍ، كل خاطرةٍ، كل فعلٍ، كل شعورِ، هي حُصياتٌ، تؤثر في جسدِك، وعلاقاتِكَ، ولحظاتِ حاضرك، والقادم من مستقبلك. حياتك، طاقاتك، هي موجات تزحف بعد إلقاء أي حصاة من تلك الحُصيات تكون مثل موجات الصدى التي تؤثر في كامل وجودك، وتتعداه لوجود الآخرين المحيطين حولك. نعم، كل واحد منا يحمل هذه القوة من التأثير.
كلما حاولنا أن نعدل في مسار حياتنا بقرارٍ عمليٍّ، أو فكري، أو عاطفي.. ولو بمقادير صغيرة، فسنلمس التغييرَ الواضحَ يشمل كافة أوجه الحياة التي نعيشها. نستطيع أن نقلل شيئا مما نأكله، أو نضيف وقتا صغيرا للتأمل والعبادةِ في يومِنا، أو أن نوجه لحظاتٍ لتصرفٍ طيبٍ ولطيف، وقبل أن نعي سنجد أننا أصبحنا أشخاصا مختلفين في عالم من صنعنا مختلف. عالمٌ أجمل وأروع.
وكله يعتمد على قرارنا نحن، على عزمنا، على إرادتنا لقيادة كينونتنا للأفضل، والأصح، والأجدى.
ونستطيع أن نعجل بهذه الإرادة الكامنة – حتما - في داخل شعورنا، بجردة حساب لكيفية العادات والطرق التي نصرم بها حياتنا يوما بعد يوم، ثم نضع خريطة نسير عليها نتخلص بها أثناء سيرنا مما علق بحياتنا من عوائق الطريق ومغارزه، وهي العاداتُ التي نعرف أنها بلا جدالٍ سيئة، بل بعضها بالغ السوء، ليصفو الطريقُ ويتضح الهدفُ نحو حياةٍ أكثر صفاء، وعافية، وإنتاجاً، وتفاعلاً، وعطاءً. من أكبر العوائق الموحلة في طريق حياتنا عادة التدخين.. العادة التي أسرتني سنين.
منذ وضعتُ السيجارة لأول مرة، وأنا يافع حدَثٌ، في فـَمي، وأنا مدركٌ تماما مساوئ السيجارة، ولكني استمرأتها سنين طوالا.. حتى تخصصت في مجال الجهاز التنفسي، وصار من صلب واجباتي تقديم التمارين التنفسية لرئات مرضى أهانها وأوهاها وحطـَّمها التدخين.. عرفت وقتها أن من حقي أن أعيش حياة أفضل وأطول، ومن حق مرضاي عليّ أن أجيد عملي بتفانٍ ونيـّةٍ خالصة.. فتصور مدخنا يحاول أن يعالج المدخنين؟!
كيف أضع المثالَ للمريض الذي أحاول أن أعيد له القوة فيما تبقى من رئته المحطمة، إن كانت رائحة السيجارة تنبعثُ مع أنفاسي، وتتصل خامجة مع عرقي.. يا إلهي ما أبأس السخرية المرة في هذا المثال.
قبل أن أباشر أي مريض عزمت على أن ألقي حصاتي في غديري.. وبالفعل سرَتْ المويجاتُ في حياتي، ووصلت حوافَّ الآخرين.. واتخذت حياتي مساراً جديداً تشرق فيه الشمسُ - كما كتبتَ أنت مرة في جملةٍ أعجبتي - من الجهتين.
تحولت إلى مباشرة المرضى حتى تولعت بهم، وتولعوا بي، ثم قررتُ أن أدرس أكثر وأتخصص أعمق، ونلت شهادة خاصة في تدريب الطرق الجديدة والتقنية المستحدثة لمرضى سرطان الرئة.. ومنعت أي مدخن من أن يقرب المرضى إن لم يقدم كشفا بأن دمـَهُ خالٍ من النيكوتين. وبالفعل صرنا مجتمعاً بلا تدخين، أربعون في المئة منه كانوا سابقاً من أصحاب التدخين الثقيل.
ولمعرفتي بقدرتك وسمعتك في المناشط الإنسانية، أدعوك أن ترمي حصاتك أنت لتأسيس جمعية لتاركي التدخين، صدقني ستكون أبلغ الوسائل في إيصال رسالة: "كافحوا التدخين"..
فهيا يا صديقي نجمع الحصى.
من المُقلـِع أبـَداً، وحطَّ بأرض الربيع:
عبد الرحمن".
من منكم، رجاءً، يناولني حصاة؟