إنه الاقتصادُ يا غبي

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. عجيبٌ كيف تتغيرُ أفكارَك وتتأثر بما تقرأ؟

في الأسبوع الماضي اخترتُ كتابين لأقرأهما كما أجدول قراءاتي، واخترتُ الأمريكية المبدعة "جين كير" بروايتها الضاحكة الفلسفية الشهيرة: "رجاءً، لا تأكل ألورَيْدات Please Don't Eat the Daisies ". وكتابٌ عن فكرِ الشاعر والرسام والموسيقي الموهوب "ويليام بلايك" الإنجليزي من القرن التاسع عشر.. وربطتهما تلقائيا بالموجةِ العاتيةِ التي ضربتْ سواحلَ الدنيا، ابتداءً من أعماق السوق النيويوركي، مركز مال العالم..

وجدتُ جملة "لجين كير" تقول بسخريةٍ وتشاؤمٍ عميق: "عندما تستطيعُ الاحتفاظ برأسِكَ بينما كل الآخرين فقدوا رؤوسَهم، فهذا يدلّ على أنك لم تُدرك ما يجري" .. رائع، مع كل مسوحِهِ التشاؤميةِ الساخرة.

فإذا صدّقتُ الحكمةَ "الكيريةِ" الساخرةِ فهذا معناه أن رأسَنا الاقتصادي الذي ندعي أنه سلِم من إعصارٍ قطفَ رؤوسَ الدول الأخرى، دليلٌ على أننا لم ندرك المشكلة، فلا يمكن أن تطيرَ الرؤوسُ ويبقى رأسٌ واحدٌ، إلا لأنه لم يكن أساسا في الساحةِ، وهذا غير محتمل الوقوع، أو لأنه يعيش ما يسمى بالوقت المقتـَرض

PORROWED TIME، وكل اقتراضٍ لابد أن يحينَ له وقتٌ للسدادِ، بَعُدَ الوقتُ أو قرُب. إذن، على النمط الذي بثته "جين كير" بتلافيف خلايا عقلي الرمادية- ألله يذكرك بالخير يا "بوارو"، بطل "أجاثا كريستي"، الداهية الذي طالما تغنّى متباهياً بعبقرية خلاياه الرمادية- فإن المصيبة وقعت، وعدم إدراك أنها وقعت، أو نفي أنها وقعت، هي مصيبة أعظم..

وصاحبنا العتيد الثقيل العقل والرأي، مفخرة الإنجليز المتوارية "ويليام بلايك"، له رأيٌ آخر.. فهو يقول إن العالمَ نصنعه بأمزجتِنا، فإن كان مزاجُنا سوداوياً تشاؤمياً صار العالمُ حولنا نحساً ومليئاً بالماءِ الأسود.. ومتى صفا مزاجُنا وراقَ، فإن العالمَ يصيرُ صافياً ومشرقاً وسعيداً.. يعني، إن كنتَ متفائلا، فكل ما حولك سينصبغ بالتفاؤل، وإن كنت متشائماً فكل حياتِك ستنصبغ بلونٍ واحدٍ هو الأسود. وعجبتُ أن عقلي المطواع تلعبُ به الآراءُ، فإذا بي أربط أفكارَهُ وصوَرَهُ بمرحلتنا الراهنة.. كيف؟

"ويليام بلايك"، له اصطلاح بالإنجليزية (طبعاً) عن المفرطين بالتشاؤم، أو المتشائمين المتعصبين، فسماهم Doomsayers، أي نذر الخراب، ومبشرو التشاؤم، الذين لا يكتفون أن يروا العالم َأسود، بل هم يدورون به ويروّجونه للناس كما تـُروّّج بضائعُ التجار، وبضاعتهم هي الشؤم. وهنا راح تفكيري سائحاً فيما قاله السيد الكريم "بلايك"، وهو يورد تشبيها لطيفاً ومباشرَ التعبير، ذكرني بكتابٍ متخصصٍ أمريكي راجَ أخيراً بعنوان: "إنه الاقتصاد يا غبي"، يدور حول المعنى، فيقول:" الغبيُّ هو الذي لا يرى الشجرة، وإن رآها لا يرى الثمرَ، والعاقلُ هو من يرى الشجرةَ، ويعرف أنها لابد أن تـُثمِر ولو لم ير بها ثمرا.." يا إلهي، ما أروع التصوير!

إذن برأي "بلايك"، والحقيقة أنه أعجبني، أن كل من كـَتـَب مبشراً بالخرابِ والبوار عما يدور اليوم هو من ناعقي الشؤم- إحم، تذكرتُ أن لي مقالاً أو أكثر في هذا الشيء، اللهم المغفرة- ومن صدقهم فالعواقبُ ستصيبه، ليست فقط بسبب الوضع، وإنما أكثرها بسبب هواجسِهِ ووساوسِهِ.

إذن هناك اقتصاد تشاؤميٌ، وهو حالةٌ ذهنيةٌ مثل الاكتئابِ العقلي، الذي يدور على الذاتِ فيطويها مثل مراوح الدفع، فيأكل الإنسانُ نفسَه بنفسِهِ.. ومتى بالغنا في سوء اقتصادنا، أو أن كارثة حلـّت بنا، وأصرانا على ذلك، فنحن إذن نغوص في هذه الدوامةِ اللولبيةِ بوعينا، أو بلا وعينا.

لو تفاءلنا، سيكون التفاؤلُ هو الواقع، أو أن التفاؤلَ هو الذي سيقود منهاجَ تفكيرِنا وطريقةِ تصرفاتِنا، بأن نكمل أيامَنا وكأن شيئاً لم يحصل، فتتابع الأمورُ على هذا المنوال: أمّا لأن الأمرَ لم يحصل حقيقة، أو أننا، بمزاجـِنا المفتوح، فتحنا قنواتِ حياتِنا بأذهانِنا فانعكس فتوحاتٍ بواقعنا..

لِمَ لا يكون صحيحاً أن ساحلـَنا الاقتصادي لم تصله الموجةُ العاتية، أو وصلتْ في آخر طاقتِها، أو أنها وجدت سدوداً وحوائلَ دون اختراق الساحل.

قرأتُ من مصادر محايدة أن الاقتصادَ السعودي سلِم لأنه اقتصادٌ محافظٌ جدا، وبطيءٌ الاستجابةِ للتغيراتِ الدولية حوله، وكان بزمان الرخاءِ عيباً يُعاب على اقتصادنا، وصار الآن ميّزةً حمَتْ اقتصادَنا من هول العواقب.

وسبحانَ الله، يوم كنتُ أكتب متشائما أجد تقاريرَ تفيد أن السوقَ السعودي أكثر المتضررين، ويوم أكتب متفاءلاً أجد دواعي التفاؤل بما أقرأ. صدقتَ يا "بلايك"!

فلنتفاءل إذن؛ كأولِ وسيلةٍ للتفكير الإيجابي.. ثم "ما أصابَ من مصيبةٍ إلا بإذنِ الله".. والله أدرى، وأرحم، وأبصر، بعباده، وما عليهم إلا أن يصدقوا ويعملوا بذلك.. وكفاهم.