سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. أُعـْلِـنَ أن باباً عمره 30 عاما أو يزيد من عالم الكتابة الجميلة قد أُقـْفِل في الأدبِ السعودي..
وكان الإقفالُ مؤلماً، فلقد أقفلته شرايينُ القلب.
أما القلبُ فهو القلبُ الذي علـَّم الأجيالَ كيف تنبعُ الأفكارُ من القلبِ لتصُبّ في العقل.. كيف تكون الكتابةُ عِطراً ضمِخاً، وكيف تكون الكلمة مسحوبة من غيومٍ بيضاء تسبح خفيفة في سماءٍ من لازَوَرْد...
كان الرجلُ الذي ماتَ، الرجلُ الذي أقفلَ مع موتِهِ بابَ الكتابةِ الجميلةِ، هو كيوبيدُ الصحافةِ السعودية، وكان قلمُهُ هو سهمُ المحبّةِ يتنقـَّلُ فيهِ وبهِ وعليه ومنه أينما رحَل.. ولقد ترحّلَ المائِتُ الجميلُ كثيرا، لأن حاملَ سهم المحبةِ، وكان من السهلِ أن تـُغـْرَز في ظهرِه سهامُ الجحود.. وكان الرجلُ الجميلُ يموت منه كل مرة شيءٌ، والذي يموت منه آخر ما يتبقى من الكرهِ ورغباتِ الانتقام. كلما رُشِقَ سهما كلما تطايرت نقاطٌ سوداءٌ من منصّةٍ بيضاء.. حتى صفى البياضُ، ونقِيَ القلبُ ليعود نوراً يتدفق منه النور.. لم يبقَ إلا بياضُ الطيبةِ، وبياضُ الجمالِ العبقري.
لقد مسّنا الرجلُ الجميلُ كلنا بسهمِهِ الجميل، ونثر بقلمِه على مساحةِ الأمّة نفحاتَ الجمالِ والرقـَّةِ والسموِّ وأنـَفـَةِ الطيبة، ورُقِيّ الإنسان عندما يكون في روعةِ تألق أنـْسـَنـَتـِه..
كان يكاتبني، وكان يبكيني سعادة، وكان يضحكني سعادة.. كان يؤلمني سعادة، وكان يفرحني سعادة، ولقد تواتر اتصالـُنا من – حظي- حتى لا أقول سوءه أو حسنه، فالرجلُ كان يقول لي: "الحظ له لونٌ واحدٌ هو الأبيض".. نعم لم يتبق من الرجل الأبيض إلا البياض.
كان يقول لي: "اسمع ياحبيبنا"، وكان يردّد هذه الجملة، فأكاد أنسى ما يليها.. "لقد كثـُرَ الكتابُ الذين لا يغذّون فكرا، ولا يُرقّون قلباً، ولا يأنسون عقلاً، إنهم كتـّابٌ يعزفون على المشاعر استغلالا لأوضاعٍ سائدةٍ، لا درسوا، لا قرأوا، لا اطلعوا. اسمع، يجب أن تحملَ مشعلاً آخر.."
وكان يظنني كفؤا لذلك، وأثقلني بما لا أقدر..
وكان يصرّ بعد ذاك أن يسبق اسمي بصفة "الكاتب المتوهّج".. ولم يصفني بالتوهج سوى المائتُ الجميلُ.. ولن، فيما أحسبُ، أن سأُوصَفُ بعده بذاتِ الوصف، لأن الجميعَ يراني كما أنا، أما هو فقد كان مبعوثاً سامياً للجمال، فلم يكن يرى في كلٍّ منا إلا قبساً من جمال.. وسيتفـَقـَّدُ كلٌّ منا ذاك القبسَ الجميلَ فيه فلن يراه، فقد أغمضتْ العينان الجميلتان اللتان كانتا تريانه.. إغماضا عانق الأبدية.. بجلالِ الجمال.
لم يقدِّم الرجلُ الجميلُ فلسفة معقـّدة، ولم يعبِّده منهجاً أصرّ أن يسيرَ عليه معه وبعده الأتباعُ، ولم يقِمْ مدرسةً فكريةً وطلب فيها الانضواء.. كان كاتباً جميلاً في ساحتِه وحيدا يشعِلُ جميعَ الأضواء.
قدّم لنا الجمالَ أسلوباً وشعوراً، وخلط النثرَ مع الشعر، جعل الكلماتِ المنثورةَ تتبلورُ وتـَتـَمـَوْسـَقُ وتتلونُ وتتعطـّر، ثم تطلبُ الأذنَ للتسوِّح في ملكوتِ الجمال.. على أن هذا لم يكن منه صعباً ولا عميقاً ولا يكلفه نـَصَبا، كان كاتبُ الجمال نبعاً يفيضُ بطبيعتِه، وبطبيعة الدفع الداخلي الفيْضي في جنانه، وفي منتهى وجودِه.
من سمع الرجلَ يتأوه ويشكو؟ ألم يكن يصارع الألمَ من زمن؟ بعد عودته من سفرٍ للعلاج، وكنتُ قد كتبت عنه وقلبي يشتاقـُه ويخاف عليه، كتب لي وكأنه عائدٌ من رحلة تسيّح واصطيافٍ، ويطلب العذرَ أنه لم يجد متـّسعَ وقتٍ ليشتري الهدية.. أين المرض؟ أين الآهة؟ ماذا فعلت؟ كيف حالك؟ ما قال لك الأطباءُ؟ وتواجَهُ من الطرفِ الآخر بصمتٍ عميق.. فلم يكن، لجهلي، الشكوى والألمُ ورثاءُ النفس من لغةِ الجمال.. والرجلُ الجميلُ الذي أقفل بضاعته الجميلة بحقيبته الجميلة ومضى للخلود لم يكن يرى سوى الجمال حتى في أحلك ظروفِ الألم وصرخاتِ القلبِ وثورةِ الشرايين.
ولما مضى أخذ الكتابة الجميلة معه، وأقفل بابَ الجمال، ولا ندري من نطوّب اليوم أكاتبٌ جميل؟ أم نطوِّب حالتنا بعد إسدال ستارٍ على عالم، كان لنا، جميلا.
كان الرجلُ الجميلُ يكتب حتى آخر قطرةِ عمر، وإن لم تكن البطولةُ هي تحمّل لحظة أخرى تحت ضغوط الألم الحاسم.. فما هي إذن؟
لن أبكي عبد الله الجفري أجمل من حملَ قلماً في بلادي لأنه رحَل.. ولكني سأفرح بطريقةٍ غامضةٍ ما، لأنه .. حصـَل!
العقولُ العادية تعيش بالأماني، والعقول العظيمة تنفذ غرَضا يملأ الحياة بمشروعٍ ما.. عبد الله الجفري العقلُ الأمثلُ الذي نفذ مشروعـَه كامل المواصفات، كامل الشفافية، كامل الصفات.. فعاش وهو يموت.
تذكروا أن الجمالَ في أدبنا لم يكن له طريقٌ واضحُ المعالم قبل الجفري، ولما رحل ترك لنا آثارا واضحة على طريق واضح، ابتدعَه، رصَفـَه، صانـَه.. لنمشي من بعده عليه.
ربي.. كان معلـِّمُنا ومنارة قواربنا المُجهدَة عبد الله الجفري جميلا.. فأنزله عندك يا إلهي مكانا جميلا.