سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. من زمانٍ عاشَ حكيمٌ ما بين النهرين، وكان هذا الحكيمُ يملك قدراتٍ عميقة في الفهم والتبصر في الطبيعةِ البشرية، ولديه مدرسةٌ للحكمةِ يدرس فيها تلاميذُهُ علاجَ الجسدِ، وعلاجَ العقلِ، وعلاجَ النفس.. ويحرص في تدريبهم على الانضباطِ في أمورِ الحياة.
تراكمت على الحكيم السنونُ، وأنهكته، وبدأ يشعر أنها بدأت تمتصُّ رحيقَ قدراتِهِ، وتوهن ملكاتِهِ، إنها رسالةُ الزمنِ الخالدةِ الذي هو من أفضل من يعرف قراءتها، ويفكّ معانيها.
وبدأ القلقُ والخوفُ على المدرسةِ يساوران الحكيم، وقرر أن يجد من تلامذته بديلا عنه عندما تغيِّبه الأقدارُ. وكان لا بد أن يكون البديلُ واحدا من أنبَهِ تلاميذِه، هؤلاءُ الذين هم نتاجه، حيث صرم الأعوامَ الطوال يدرّسهم، ويدربهم، ويصقلهم، ويهذبهم، ويسقيهم الحكمة..
أتى الحكيمُ تلامذته في يوم، ومعه كيسٌ مليءٌ بالحنظل المرّ، كان حنظلاً جبلياً فطرياً من أقسى أنواع الحنظل مرارة وحموضة لاسعة، وبدأ يدور على تلاميذه واحدا واحدا، ويطلب من كل منهم أن يفتح كفـَّه ليخرج ملء قبضتِه حنظلا ويصبها بيدِ كلِّ تلميذ. وقف أمامهم بقامته المهيبة وقال : "أطلب من كل واحدٍ منكم أن يأكل هذا الحنظلَ حتى آخر الكمية ويمضغها ثم يبلعها". لم يتردد التلاميذُ المحبون عن الاستجابةِ لطلبِ الحكيم، فالتهموا الحنظلَ وراحوا يتجرعونه مرّا حامضاً لاسِعاً، ثم إنهم بدأوا يصرخون ويشكون من سوءِ المذاق، ولوعةِ المعدة، فطفقوا يبصقون ويفرغون أجوافـَهم، إلا تلميذٌ واحد.. بدا وكأنه يهنأ بالمذاق، فهو يمضغ الحنظلَ بتأنٍ، ثم يبلعه بتمهلٍ وكأنه يتناول طعاماً من أطيبِ الأنواع.. حتى أتى على آخر الكمية!
.. تعجب الحكيمُ من ثبات الطالبِ وقدرتِهِ وعزمِه، فتقدم إليه، وسأله: "يا بني، كيف فعلت هذا بنفسِك؟".. وجاء ردُّ الطالبِ سريعاً وبلا ترددٍ: "يا سيدي الحكيم، لقد جاءني هذا الطعامُ المرُّ من ذات اليدِ التي طالما أمدتني وغمرتني بآلاف الوجباتِ من الطعام الحلو".
..نعم، لقد وجد الحكيمُ، بلا ذرةِ شكٍّ ، رجُلـَه!
والمغزى وراء هذه القصةِ القديمةِ على وضعنا الراهن، أن الواحدَ مِنا يجب ألا يحكم على الظروفِ الأخيرةِ، أي أنه عندما تضيق به أحوالُ المعيشةِ من قلة المداخيل، وسوءِ الخدمات، وتغير المعاملة، ويبدأ طعم الحياة يتشكل بمذاقٍ فيه من المرارة أكثر من الحلاوة، إنما عليه أن يأخذ المنظرَ الزمني العام، هذا النهرُ المتدفق من الذكريات والتجارب والخبرات، إن وجد أن الظروفَ كانت غير الظروف في حلاوتها وطراوتها وكرمها، عليه أن يدرك أن أمرا طرأ في الظروف، وربما لم تتغير صفةُ اليدِ الساقيةِ المُطعِمة، ولم تتملص من كرمِها وعطائِها.. ولكن لأن أشياء دارت ومالت وانحرفت وتعقدت ، فقد تريد اليدُ كما تود أن تكون، وليس لها كل التطبيق في أن تكون .. فاليدُ تعطي من خلال الظروف، ولا هي تقدر كل القدرة على تسيير الظروف.. والظروفُ هي تعقيداتُ الحياةِ الجديدة، وأداءُ الموظفين المسؤولين، ونمط الشعبِ على العموم.
وجدتُ أن مصارفَ الشكوى والتأوهِ والنواح والمطالبة والانتقاد لا يمكن أن تُدرج كحلٍّ من الحلول، فعلى الناس أن يسألوا لماذا تغيرت حالُ اليد؟ ما الذي طرأ؟ ما الذي تغير؟ هل كانت اليدُ مغدقة لما كان الزمان مغدٍقا؟ أم أنها بخلـَت وقبضَتْ؟ وأظنكم تعرفون تماما ما أقصد وما أعني باليد .. أعني بها السلطة التي تدير شؤوننا!
وهذه السلطة هي الحكومة (ألا ترى أن كلمة الحكيم وكلمة الحكومة مشتقتان من جذرٍ واحد؟).
..نشكو هذه الأيام من التقصير في المدِّ الحكومي في أكثر من مجالٍ ومن التقصير في أكثر من خدمةٍ، ولكن هل نسأل لماذا الحكومة أكرمتنا وأعطتنا يوم كان حال الدنيا الوفرة والبساطة وقلة التعقيد، حتى لا نلوم كثيرا في وقت تعقدت فيه الظروفُ وطرائقُ الحياة، هل يحق لنا اللوم أم لا؟ برأيي، يحق لنا ولا يحق في آنٍ. فقبل أي بتٍّ باللومِ لا بد من التروي ودراسة الحيثيات، صحيح؟
.. يذهب ظني بناء على المدِّ التاريخي أن الحكومة لم تتغير بنيتها في مستوى رغبتها في توفير وسائل العيش المُثلى باستغلال الإمكاناتِ المتاحة، ولو صح ظني هذا فيمكن أن نتجرع المرَّ من أجلها مادام أنها سقتنا الحلوَ لما كان العسلُ طافحاً، وما زالت تريد..
فاليد التي نتجرع منها المرَّ راضين، هي اليدُ التي تحبنا ولا تضايقنا ولا تكبل حرياتنا وتضع اعتبارا لكرامتِنا وتحمينا من الفقرِ والجهلِ والمرض، وتحترم أفكارَنا وعقائدَنا وتعاملنا مع بعضِنا، هي التي تتروى وبحيادٍ اختيار من تعطيهم مقاليدَ أمور حياتنا.. ومتى اجتهدت في الاختيار فخرجوا عن الثقة فاللوم عليهم.
وشيءٌ مهم.. وهو أن نتعلم ونتدرب نحن كمواطنين على الضبط ِالذاتي، فما رأيتُ الدولَ متقدمةً فقط بحكوماتِها، بل إن الشعوبَ هي التي هيأت ذلك، بهذا الانضباط الذاتي عند كل فرد. والشعبُ ليس هذا فقط الذي يسير في الميادين والشوارع، بل يبدأ من أكبر موظف تنفيذي في البلاد إلى أصغر حاجب على مكتبٍ رسمي.. لذا يُقال: يُنسـَجُ قماشُ قادةِ الشعوبِ من غزلـِهم.
آخرُ القولِ إن المرَّ عندما نشربه جميعا بدون تفضيل ولا تحيز وبلا تمييز لأن الظروف اقتضت فتجرعه الكبيرُ كالصغير، فهي إنما رشفة صغيرة طارئة على جانب نهرٍ كله من العسل..
أما إن هنأ الكبارُ وحدهم، وتركوا الصغارَ تلسعهم نيرانُ مصاعب الحياة بلا اكتراثٍ بهم ولا اعتبارٍ لمصاعبهم وحيدين فسيبقى المرُّ مُرّا..ً ومن يـَدٍ مُرَّة!