سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
الدرسُ الثاني من مهند: "كل واحد منا من الممكن أن يقوم بأشياءٍ عظيمة، لولا أننا مشغولون بأشياءٍ صغيرة!".
.. وصلنا في المقال السابق، إلى أن زائرا، يهديه الله، زار مهندا وقال له مستنكرا: "مهنـّد، قل لي: بعد كل هذا الذي حصل لك، لماذا أنتَ سعيد؟"، ويقول مهند إني فزعت لأول مرة لهذا التشاؤم، وظننت أن الرجلَ يحسدني حتى على سعادتي وأنا بهذه الحالة، ولكني وعيتُ على حقيقةٍ مهمةٍ، وهي أن اللهَ أودع بي كنزا، لم يودعه به، وأن الله خصني بقوة التفاؤل، وعمق الإيمان، وقدرة على الرضا، وهبة أن أنظر إلى الزاوية الأخرى، الزاوية التفاؤلية.. وهنا شكرت الله على كنز اهتديت إليه، وحُرم منه هو، ودعوت الله أن يمدّه بمددٍ من عطفه.. على أن الأشياء لا تقف، وكل مرة أتعرض لامتحان جديد، لأكتشف بي شيئا جيدا، أنني أشعر من كثر ما وجدت في داخلي وكأني منجمٌ يعج بالكنوز..
يوما جاءني صحفي، وهز كياني بسؤال: "مهند ما هو شعورك بعد أن أصبحت معوقا وأعمى؟" وهنا دارت بي الأرضُ، وانقطعتُ عن وجودي، لا أعرف كيف تكلمت، لكني عرفت أني بكيت أياما.. وأياما.. هل أنا معوق؟ أنا يقال عني معاق؟.. ولكني اهتديتُ إلى الحديث القدسي الذي ينقله الحبيب المصطفى عن ربه ـ عز وجل ـ بأن مَن فقد حبيبتـَيْه - أي عينيه - ورضي، فقد قـُسمت له الجنة.. ثم يغمض مهند عينيه ويطلقهما بسرعة كعادته وهو يسترجع شيئا يفرحه، ليتابع القول: "ألم يكن معلم الأمة الشيخ عبد العزيز بن باز كفيفا أعمى.. فمرحبا بمن ينتمي إلى نادٍ أحد أعضائه الشيخ ابن باز..".
على أن لمهند ذهناً عمليا ابتكارياً، فهو فكّر في ابتكار جهاز يعمل على إشارةٍ صوتيةٍ لقيادة العميان بحجم القلم .. ولكن ليس دوري أن أشرح المخترعات. وهي فرصة سانحة كي أكشف لكم أن مهند لم يتبرع له أحد بريال واحد، فكل ابتكاراته صرف عليها من مكافأته الجامعية.. الألف ريال!
مهند له قلبٌ كبيرٌ، وعقلٌ كبيرٌ، وهنا يكتمل شـِقـّا المرء.. واخترعاتُه ومضاتٌ إنسانية من عاطفتِهِ، من قلبـِهِ، وتنتقل عملا وفكرا وبحثا إلى عقلِه.. هاكم مثالا: يقول مهند إنه كان يوما في مصلحة عامة كبيرة، وجاء مراجعٌ أصمّ يعبر بحركةِ يديه للموظف عن معاملةٍ له، ولكن الموظف قال له بعد نفاد صبره: أغرب عن وجهي.. وخرج مهند حزينا لما سمعه ورآه، وعاهد نفسه أن يعمل على ألاّ يتكرر ذاك المشهد، فصنع القفازَ المتكلـِّم، يلبسه مَن لا يتكلمون فينقل إشاراتهم إلى جهازٍ صوتي ليكون لغة مسموعة ومفهومة، وجرّب مهندٌ الاختراع ونجح.. ويحلم أن يقدمه للملك عبد الله كما فعل مع غواصته التي اسماها تيمنا بالملك "صقر العروبة"..
ويخبرنا مهند عن صديقه، ومعلمه، وأبيه الروحي، رئيس جمعية المخترعين السعوديين "يوسف السحار"- وهو رجل عظيم آخر لا بد أن نفرد له مقالا بالقريب - وهو الرجل الذي بقي معه طيلة الحادث، والمتابع لشؤونه، وهو الذي شجعه في طريق الاختراع، ويقول مهند عن هذا الرجل الاستثنائي إنه " أكثر سعودي سعودية ً رآه في حياته" لدرجة لو أنه مع عائلته ورأى عمودا مختلا في شارع، نزل وفحصه وبلغ عنه، لأنه يريد كل شيء في الأرض التي يحب مستقيما.. إلا أن يوسف السحار لم ينل للأسف الجنسية السعودية - بينما يأخذها مَن هو أقل - وهو صاحب الأربعين اختراعا، ويحمل عقلا جبارا وقلبا مخلصا لهذه البلاد، (وأنا شخصيا أعرف أن يوسف السحار رفض عرضا بالملايين لاختراع من مخترعاته، لإصراره على أن يُسجـَّل كاختراعٍ سعودي!) وإني أتقدم لمليكي وأرفع له مسألة يوسف السحار..الذي يفتخر بسعوديته قبل أن ينالها في السجلات!
ولم نكن نعلم أن "مريم" موجودة في الجهة الأخرى من الجناح الصغير.. وراء الباب المقفل إلا حين أشار لنا مهند، ومريم هي الزوجة الصغيرة المحبة المخلصة لمهند التي تقيم معه في المستشفى، ولم ترض أن تتركه للحظةٍ واحدة.. وإن سألتني لم أقول مخلصة ومحبة، فلأنها قالت بعد حادث مهند: "لو لم يبقَ به إلا قلبه لما تركته!".
لن أخبركم عن الرسائل لشباب الأمة وشاباتها التي في هذا المقال ولا العِبـَر، فهي تعبر عن نفسها بسطوع .. ولكني أختم مقالتي الثانية بذات الجملة التي بدأت بها المقالَ الأول:
ما شاء الله..