سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. لن أدعي هنا أني لن أصدمكم.
راجعت نفسي، واستخرت، ثم أودع اللهُ في ضميري أن من واجبي نقل رسالة وصلتني رغم ما تحمله من صدمةٍ مزعزعةٍ للذائقة والثوابت، لأني رأيت أنها صدمة كهربائية توقظنا على حقيقة سبق أن تكلمت عنها هنا أكثر من مرة حول من سميتهم الشباب المسكوت عنهم، ولفتني أن أكثر هذه الفئة هن من الشابات، وأشد في الصراحة والمناكفة والتحدي.
كتبتُ في "الاقتصادية" تعليقا على مقال، والمقال كتبته فتاة سعودية وإعلامية اسمها "نادين البدير"، وفرت لها صحف في الخليج (مثل: "الرأي الكويتية"، و"الوقت" البحرينية) الفرص لتكتب بها. ومقالاتها غاضبة محتجة على كل ما تربت عليه الفتاة السعودية والمسلمة عموما من ثوابت، وقد طار لبّ الشيخ العوضي من الكويت لما قرأ لها مقالا تجيز لنفسها أن تأخذ أربعة رجال كحال الرجل، وكان يعد للرد عليها، وتمنيت عليه ألا يرد حتى لا ينتشر المقالُ، فيحقق غير ما قصد.
ثم إنها كتبت مقالا صارخا، ولم تخف به عبارات صريحة، لم أقرأها عند الكاتبات الصريحات الغربيات، وكان بإمكانها استخدام التورية المفهومة أو الوصف الأكثر قبولا للذائقة، ولكنها لم توار وتعمدت، وهي تجيد الصياغة وتحذق صنعة الجذب والشد للقراء.. وعلقتُ على المقال، لا غضَبا عليها، ولكن لتحذير المجتمع، أن هناك أمرا حصل، وأن الذي حصل خطأ، وأعرف من خلال تواصلي مع قرائي الشباب أن عندنا نسبة من الضائعين الزائغين، ومع "نادين" جاء مصحوبا بالتحدي والغضب والجرأة الشاهقة في المواجهة الصريحة، ولو حللنا مقالها الذي خرج بجريدة الوقت تحت عنوان "لم أعد أخجل".. لوجدنا إرهاصات غضبها، وطلبت من الله لا يحرقها التنين الذي ينفث نار الغضب في كيانها بذات النار..
وجاءتني ردود (وأقصد ردودا بعينها) فعرفت أن ما كنت أراه وأعتقد أني كشفته إنما هو رأسٌ مدبّب لجبلٍ جليدي كتلته الأكبر تخفيها المياه، وهذه المياهُ لا تمانع أن تنحسر أحيانا ليبدو جزءٌ من المخفي الكبير. جاء ردٌ معلن على المقالة في "الاقتصادية" يحيي شجاعة نادين، والمُرسلة أغفلت الاسم ( طبعا)، وبعنوان ( نعم، لم نعد نخجل).
"ونقولها صريحة لقد ولى زمن الخجل وجاء وقت العمل ولقد عزمنا على قول الحقيقة بدون خجل وبدون ملل فماذا استفدنا من خجل دام 1400 سنة؟".
ونقول لهذه الفتاة، إن سمو الإنسان من سمو ما يؤمن به، ولك أن تختاري القاعَ وسيعاملك الناس كما يعامل الناسُ القاعَ وهو الدوس عليه بلا مبالاة. وإن كان هناك شيء أرخص من حجارة الطريق، فهو امرأة بلا مبادئ. وإن الإيمانَ هو الذي يحولنا من ذرات من طين إلى ذرات من ذهب. وإن الحياة رحلة، رحلةُ إيمان، والذي يسقط من قافلة الدنيا ويضيع في مفازات الجهل والإنكار والفراغ يسقط من إيقاع الحياة ذاتها قبل حياة ما بعد الحياة. وإن من جاء يقول لك إن الإيمان أعمى، فالعمى هو عدم رؤية الحق، فالإيمان يفتح بصيرة القلب ونظرَ العين، وفي حساب الكينونة الإنسانية تكون المعادلة هي أن المرء زائدا الإيمان يساوي كل شيء، وأنه ناقصا الإيمان لا يساوي شيئا. وأن تعلمي الأهم وهو عندما تكرهين الحقيقة فهذا لا يعني عدم وجودها.
من جهة أخرى، لا يترتب علينا كمجتمع أن نعالج موضوع المسكوت عنهم بالغضب، فالغضب كبريتٌ يشعل جمرا كامنا، وأن نكون إطفائيين للغضب والضياع بخرطوم يتدفق بالمحبة والحدب وإعادة الفهم والعلاج، وأن ننظر فينا وفي طريقتنا، وأين أخطأنا كأسرة، ومعلمين ومعلمات، ومناهج، وطرق تدريس، ووسائل توجيه. ولا يجب أن نعتقد أن فئة المسكوت عنهم لا يستأهلون الحب، فهذا مجلبة لمزيد من شقاء الضياع..
ونقول لها إن رابعة العدوية، كانت ضائعة يوما، وعندما لفـّتها هالة الإيمان قالت قولا يأخذ بمجامع القلب، قالته بوجدانها، بإيمانها، بحبها المنقطع لله، فنطقت روحُها التي ذاقت شهْدَ الإيمان واغتسلت بأنواره، وقالت: "عندما تحب الله ، تشرق الشمسُ من الجهتين!".
فهل تريدين الغوصَ في الظلام؟ والغوص بالظلام لا علاقة له بأن تقرري الخجل من عدمه، إنه يعني أنك لن تعقلي.. وعندما لا يعقل الإنسان، فإنه يفقد مزيته الأولى.. كإنسان!