سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. لن أكون هنا منتقدا، أو لوّاما، رغم مرارة شعوري، وتعَجـُّبي لما قرأت، ولكن الذي لامَت وقست في النقد كاتبة ٌمن البحرين أرسلت رسالة عنوانها: "كيف تسكت؟!"، وهي تنتقد بعنفٍ كالرصاص المنهمر الكاتبة َالسعودية في جريدة "الوقت" البحرينية "نادين البدير" حول مقالة لها ظهرت في الثالث من الجاري، بعنوان: "لم أعد أخجل." وتقول الكاتبة. إن فيه من الأدبِ المكشوفِ ما يفوق الكتابات المحرَّمة، وأنا أهذب الصفات التي رمتها الكاتبة ُالبحرينية كثيرا، واللومُ الذي يتبعني ككاتب سعودي هو اختصارٌ للوم السعوديين عموما بأن يتركوا بنتا من بناتهم، وقالت: "إن كنتم رجالا، فأوقفوها عند حدها".. وكان لا بد أن أرجع للمقال، على أن الكاتبة متطوعة ًوفّرتْ جهدَ البحثِ، فسرعان ما ألحقته برسالةٍ أخرى، مع كميةٍ جديدة من الرصاص الحار من النقدِ المولـِغ.
قبل هذا.. ليس هذا أول انتقاد يأتيني ضد الكاتبة نادين البدير، كنت قبل شهر تقريبا أو أقل تلقيت اتصالا حادا من الشيخ محمد العوضي: يقول لي من هي نادين البدير؟ وعجبت أن يسألني لولا أنه ألحق أنها كتبت مقالا فاضحا بجريدة "الرأي" الكويتية، والشيخُ العوضي كان عازماً على الردِّ حتى إنه أسمعني عنوان مقال رده، وأشرتُ، وتمنيتُ على شيخي العوضي ألا يرد حتى لا يكبر الموضوع، وتذيعُ شهرة َ مقالٍ لا يحبُّ له هو الذيوعَ والانتشار.. فقـَبـِل.
أنا لا أرد على نادين البدير، فأنا لست غاضباً عليها، ولست فقيها، ولا من طلاب العلم الشرعي لأحكم عليها، ورغم أن ذائقتي لم تستطع تقبل المقال بلـْه هضمِه، ولكن فلسفتي التي أنادي بها، وأومن بتأثيرها الأول في المجتمع والأمة والدين في التعصب الإيجابي والتعصب السلبي (إن حق ليَ التعبير بذلك) تعتمدُ على الغضب، والغضبُ مظهرُهُ الاحتجاج المعلن، أو الاحتجاج المكبوت، وهما القنبلة التي تدق حتى يأتي وقتٌ فتنفجر، وهي تنفجر إما مكتومة تحت السطح، أو مفرقعة صاخبة ضاجة فتدكُّ السطحَ وما عليه.
أنا لست غاضبا على نادين، ولكني أريد أن أفهمها، وأتفهم الحالة الظرفية والموضوعية التي أوصلتها لهذا الاحتجاج الشاهق الجارف الذي جعلها لا تنزع غلالة َ الحياءِ بل تـُحرقها بدءا من العنوان. ونادين إذن تفخر أنها لم تعد تخجل، بينما الخجل ليس فقط أول وأهم صفات الأنثى الشرقية، ولكنه من صفات سائر النساء في الدنيا.. فاحتجاجُ البنت نادين ليس فقط على حيائنا التقليدي، بل على كل حياءِ الأنثى، وكأنها تعلن ثورة نسائية عالمية ضد الحياء.. إن نادين حين تكتب جملة صادمة لمقتضيات الأساليب الكتابية ـ لأي دورية محلية أو عالمية - فالمسألة تتعدى حالة الانتقاد العقلاني، أو الفكري - العلمي، ليُفصِحَ عن غضبٍ يثورُ كمردةٍ من لهيبٍ في عقلها وروحها، والمقالُ يوفر قراءة ًمثيرة لأي مراهقةٍ أو مراهق، وربما ـ بصراحة- لأي شخص، فهي كما يبدو لا ينقصها حسّ وحِرَفية الكاتبات الكبارـ وتمكنها من صنعتها في المقال الصحفي لا يخفى في طريقتها الذكية واللاقطة في اختيار العناوين، وفي جُمَل قفل المقال، فتختم مقالها قائلة: "أكثر ما أحبه بالكعبِ العالي، وأنا أسير بممر، فأقرع به الأرضَ ليرتفع صوتـُه عاليا فيخيم الصمتُ في نهايةِ الممر بانتظار معرفة من صاحبة الكعب.. إنه وسيلتي للإعلان للمجتمع أن جسدي له حركة، وأن تلك الحركة تحدثُ صوتا". لا يكمن لذواقةٍ يحب الأساليب والتقنية الكتابية إلا أن يعترف أنها تكتب بذكاءٍ واحتراف وتختار الجملَ في أماكنها ومواقعها وترفع الحجابَ عن الصفات باقتدار كما تقول.. بلا خجل!
التصدي لنادين ليس بالغضب والوعيد كما فعلت الكاتبة البحرينية- ولا نلومها أيضا - ولكن بمعالجة حالتها، تماما كما يفعل الطبيب، باستخلاص المعلومات من المريض - ونادين تختصر فهي تنشر معلوماتها تحت الشمس- ثم دراسة بيئته الاجتماعية، وقياس مؤشراته الحيوية، والتدقيق في نتائج الفحص، ثم التشخيص الصحيح استهلالا للعلاج الصحيح.
ونادين أثارت بعض أسباب البيئة كالأسرة الضاغطة، والمجتمع الذي ينصف الرجل ولا يعطي المرأة حقها، وباحتجاجها الشاهق: "إن وجودي لإمتاعي أنا، لا لإمتاع رجل".
نادين، يتلوى في مظان روحها، وفصوص دماغها، تنينٌ ينفثُ النيران.. على أني أدعو لنادين.. ألا تحرقها ذاتُ النار!