تعالوا معي لبيت الأفكار..

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

* أحيـّي رسامَ هذه الجريدة المبتكر "الخميسي" على رسمتهِ الصامتة والمبهرة، رسم شابا معصوبَ العينين وأمامه لوحتان، واحدة تشير لطريق العمل العصامي، والأخرى تشيرُ لطريق الوظيفة، والشابُ "مُقادٌ" فقط لطريق الوظيفة..

وعنونتُ المقالة ببيت الأفكار، وسمـّاهُ الشبابُ السعويون، "مركز الأفكار". النتائجُ من ذلك المركز تقول إننا نستطيع أن نحول ثقافة العمل الآن، ونغير طبيعة السوق الآن، ونغير طريقة تفكير الأولاد والبنات السعوديين الآن.. وأن كل الخرافة عن البطالة، وقلة ابتكار الشباب السعودي، وتواكلهم، تطيرُ بنفخة هواءٍ جادة، كما يتطايرُ غبارٌ تراكم على سطح خشبٍ صقيل.. وأصيل. وإننا كل الوقت ندور في أنبوبٍ أجوف يتقلـّب، ونحن نتقلب داخله فنزيده تقلبا، فندوخ ولا نرى طريقا ولا نتلمس وجهة، ولا نرصفُ منهجا، لأننا محبوسون في الأنبوبِ المجوف، فلا نرى إلاّهُ، وبالتالي لا تتعدى أفكارُنا سطحَهُ الضيق، وخارج الأنبوب لا تفيد كل المرئيات ولا المشاهد، لماذا؟ لأن الأنبوبَ لا يرى!

والخروجُ من الأنبوب سهلٌ، وهذا الذي يزعجني: لماذا لا نزحف خارجه ونتخلص؟ بل الأعجب، ما الذي جعلنا نزحفُ داخله في الأصل؟ أسئلةٌ قد تقودنا إلى الزحف داخل أنبوبٍ آخر، فنقع فيما نحن عازمون أن نهرب منه..

يا قارئي الكريم، أهم خلاصةٍ خرجتُ بها بالعمل المباشر مع شبابنا، هي أنهم أذكياء، ليس ادعاءً أو شوفينية، ولكن من تجربة لسنوات، ولا هي "خصوصية" سعودية بالطبع، فإن كان الشبابُ في العالم أذكياء فأقل ما أثبته أن أولادنا لا يقلون ذكاءً، ومن واقع إيماني بهذا الذكاءِ أجالس الشبابَ ثم أتركهم فقط يقولون لي مشاريعهم، وهي ليست أحلاما طوباوية، ولا مسائل معقدة التنفيذ، ولا شطحات صبيانية، بل هم واعون جدا، أكثر مما نتصور.. هم أكثر وعيا مني على الأقل.

ذاك ما لمسته بالتجربة المباشرة لسنوات لا وسيط بيني وبينهم.. واكتشفتُ شيئا آخر، واكتشافاتي ليست اختراعات لم توجد على الأرض قبلي.. هه! طبعا لا. كل ما في الأمر أني عرفتها متأخرا.. أو أن الشبابَ دلوني عليها.

وأضرب مثالين..

يرقد الآن في المستشفى واحدٌ من الشباب، شابٌ صغيرٌ في أول العشرينيات من عمره، وأقول فخورا إنه واحد من عقول الأرض الواعدة، نعم كل الأرض، وليس فقط منطقتنا الجغرافية المادية أو حدودنا الوطنية، وأثبت ذلك باختراعاته المتعددة منذ أن كان في مراهقته الأولى، وفوزه في مسابقات عالمية مع عباقرة العالم.. والشاب مخترع الغواصة السعودية هو مهند جبريل أبو دية ابن الإعلامي الكبير المعروف. مهند عرفته من سنوات، لما أتى لزيارتي عدة مخترعين من جهات المملكة يشكون حالهم، وإهمال المؤسسات الرسمية لحماستهم وحفظ حقوقهم، وتنمية أعمالهم، ومن ذلك الوقت اتفقنا على مشروعين مهمين: الأول: ترك النواح والشكوى، والصياح أمام هيكلٍ لا نستطيع له تغييرا، والثانية أن نفكر في صنع واقعنا، فإن كانت البيئة الإدارية لا تصنع هذا الواقع، أو أنها قد تصنع واقعا لا يلائمنا، فلنصنع نحن واقعنا.. أفليسوا هم المخترعين؟ وهنا الفرق، هناك عقولٌ تريد أن تعمل، ولكن ترى أمامها العقبات فتقف، وهناك عقولٌ ترى العقبات، فتنشط مولداتُ الأفكار في أدمغتها وتخترع الحيل لتجاوز العقبات، وكأن العقبات هي عامل مفيد يريّض العقل ولا يحبسه أو يمنعه من الانطلاق... وأدهشوني.

لقد أثبتوا أن كلّ ما قيل عن الروتين، والأنظمة المقيـِّدة، وصعوبة الواقع، مجرد معقل رملي يبدو مهيباً مخيفاً، ثم بركلة عقل واحدة يتطايرُ هباءً.. عرضت على أخي هشام الزامل أن يتعامل معهم مرشحين مهند بودية.. في يوم واحد تبنى هشام مشروع المخترعين الشباب، ثم مشى ميلا آخر، واقترح أن يخصص لهم مصنعا يكرس خط إنتاجه لتصنيع مخترعاتهم.. ولما قلـّب مهند المشروع أمامي وهو يتفرع ويتشعب ويضم عشرات من الشباب، وسيجر وراءه عشرات، والدراسات السوقية الربحية، كنت سعيدا، وكان مهند أكثر سعادة، بل كان وقتها - منذ شهر- يقول لي: "الليلة أنا ذاهب لجازان كي أتزوج، ولا أدري كيف أفرح: ألزواجي؟ أم لنتيجة ما عملناه لتفعيل مشاريعنا؟

مهند أبو دية شاء لطف الله أن يصاب بحادث سيارة، وبُترت قدمه، وأحزننا ذلك وأبكانا، ولكن "يوسف السحار" المخترع العبقري الآخر يقول: "أبشرك معنويات مهند في السماء." وأريدكم أن تدعوا له..

و"بيت الأفكار" هو ما اتفقت عليه مع الأستاذ محمد البقمي وهو شاب يسبق عمرا الشباب الصغار، ويتحمس من أجلهم، وقررنا، هو وأنا، أن نترك مؤسسة عاملة تجارية وحقيقية للشباب باسم ( إبحار الأفكار) بالكامل لشباب يملكون مواهب وأفكارا ومشاريع تجارية، لا حاضن لهم، ولم يحققوا ما يريدون مع المؤسسات الكبيرة المتخصصة، واختاروا مكانا مستقلا، وكان يبدو متواضعا وأصر عليه الأستاذ البقمي، وزوِّدوا بالتجهيز التحتي والنظامي، وبتمويلٍ أولي. ونسيتهم لأشهر ..

بالأمس جاءني السيد البقمي بملفات بالكاد يحملها، وأشار ضاحكاً إلى أنها مشاريع الشابات والشباب.. واستعرضها وذهلتُ من عمليتها وابتكارها وجدتها.. وسوقيتها (بمعنى جدواها الاقتصادي، وليس المعنى المتداول..)

وأول ما أذهلني تحويل المقر المتواضع إلى لوحةٍ فنيةٍ شارعيةٍ مبهرة تضيف جمالاتٍ إبداعية إلى الشارع العريض بإجراءٍ معماري لم تتعد تكلفته سبعة آلافٍ من الريالات.. إبداعٌ في الأفكار، وإبداعٌ في تحري وسائل الاقتصاد بالتكاليف مع الجودة والإبهار.

أما اللوحة القشيبة المتداخلة بألوانها مع الواجهة الكلية فمكتوب عليها:

" مركزُ الأفكار"..