سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. هي أمورٌ لا نناقشها في العلن، مع أهميتها العظمى للصحة النفسية والجسدية والعقلية (نعم العقلية) للمرأة، وفي مجتمع نسائي يرتجف أو يخاف أن يفتش غطاءَ بئر الأسرار خوفا من الفضح ومفهوم العمر الخاطئ، ليكون المشهدُ في النهاية أن كثيرا من النساء لسن فقط يجلسن على غطاءِ بئر الأسرار، بل مع الوقت يقعنَ في البئر، ويكون انتشالهن منها عسيرا، أو يأتي متأخرا جدا.. بينما الموضوعُ لا يعدو كونه أمرا حيويا جسديا، يتبدل الجسدُ الإنساني فيه من حال إلى حال، ومن طورٍ إلى طور، ولكل حالٍ صفاتُهُِ وجمالاتُهُ، ولكل طورٍ ألقـَه ولمعاتُهُ..
كل مرحلة من حياتنا لها قيمة كبرى في ظرفها ، وفي واقعها، لو تقبلت العقولُ المرحلة، فهي تطورٌ طبيعي عادي وعدم حصوله أو عدم الاعتراف به أو سوء تفسيره قد يئد هذه الجمالات، ويطمر تلك اللمعات، وتسدل المرأة في سن معينة ستائرَ على فسحة حياتها لتمنع النورَ من الدخول والهواء من حرية الدوران، فتصير شبحا والحياة تضج بالعنفوان, وتتوهمُ أنها تركت عتبات التفاعل، وهي في الحقيقة وصلت ذروة التفاعل..
أقصد ما يسمى بالعربية خطأ وعدوانا وسوء تركيب بـ (سنّ اليأس)، وهي تسمية جاهلة، أقولها بملء فمي، وضالة ومضللة وضللتنا وحرمت قسما من سيداتنا أن يزهين بأعمارهن ويفخرن بها.. ولو قرأن التاريخَ وشواهد الحاضر لتأكدن أنها سن الأمل، وسن الحكمة، وسن التفرغ للإنتاج، خصوصا الإنتاج العام..
كل الذي أثار هذا، رسالة سيدةٍ حُوّلت لي من طبيبٍ صديق، بعد أن تناقشنا فيها ورأيت أن الأمرَ لا بد أن يعالج تحت الشمس، في العلن.. فهو أمر لا بد أن ننجزه في الحال، ونرميه وراء ظهورنا حتى لا يكون سوطاً سرياً يجلد أرواحَ النساء في أزكى مراحل حياتهن، فصاحبة الرسالة تقول:
" أنا سيدة أبلغ من العمر خمسة وأربعين عاما وأعاني من صداع شديد وأحيانا من شدة الألم أبكي. ولكن ليست هذه هي المشكلة الحقيقية التي أود بحثها معك اليوم وإنما مشكلتي هي في من حولي، فبدلا من أن يساعدوني في حل هذه العوارض المرضية أجد أن منهم من يقول إن هذه كآبة بسبب "سن اليأس"، وآخرون يقولون الصداع يصاحب هذه الفترة، وكلهم للأسف مقربون، ومن اطلاعاتي وقراءاتي، عرفت أن الصداعَ يصاحب معظم النساء صغيرات كنّ أو كبيرات، وبالنسبة للكآبة فهي تأتي بسبب المعاملة، فبدلا أن يساعدوني في علاجي يسببون لي ضيقاً نفسياً يزيد من حدة الأزمة".
وتعليقي الذي بعثته لصديقي الدكتور أنه يجب عدم الاهتمام بكل ما يوجه إلينا، وأن ينصب الاهتمامُ في حالة "ضيق الصدر" على حوافز الترويح الروحي (واسميتها "ضيق الصدر"لأني لن أصدق أنها كآبة، فالكآبة بالنسبة لدي مفهومٌ غائم ومُغـْبـَر نساهم في صنعهِ من وساوسنا وأوهامنا - وطبعا أستثني الحالاتِ المرضية القهرية) وحوافز الترويح الروحي تـُقطـَفُ بالاستظلال بالدين لأنه الغذاء الأساسي والروحي والمادي للكائن الإنساني، فالهناءُ الروحي غذاءٌ يزهرُ الروحَ الإنسانية، ويرفع من قيمتها العليا لتبدو أمورُ الجسدِ وتغيراتِه مرحلة طبيعية من عند الله، وما يواكبها يأخذ ذات المجرى.
ومن ناحية أخرى فإن الدنيا تنعكس من عين رائيها، أي أننا عندما نرى أنفسنا مخذولين فإن الدنيا أيضا تخذلنا، وإذا اعتقدنا أننا بلغنا اليأسَ فإن الدنيا أيضا تيأس منّا. الحلّ أن يعيش الإنسان واقعا متفائلا في داخلِه، وستجد أي سيدة أن الأمور نسبية في كل الأوضاع الاجتماعية، بل حتى المراحل العمرية.
إن الناس النشطين الذين يوزعون التفاؤل والحيوية حولهم هم ربيع الحياة دائما مهما كبروا أو صغروا في العمر. بينما أن المنقبضين العابسين ينقلون هذا الانقباضَ والعبوسَ أينما حلوا. فمن الطبيعي أن ينفر الناس منهم مهما كانت مراحلهم العمرية، والأدلة شاهدة، فكم امرأة ماتت شابة ربيعية وهي قد طوت الكثيرَ من السنين، وكم امرأة تدثرت بالشيخوخة النفسية والعاطفية وهي في فجر عمرها. إذن يا سيدتي فـُكـِّي عن نفسك أغلالَ الثقل النفسي واضحكي مع الجميع وازرعي البهجة وسترين أنك تقطفين زهورا ربيعية لأنك زرعت زهورا ربيعية.
خذي يا سيدتي اقتراحي لهذا اليوم على الأقل وغيري من نفسيتك فقط ليوم واحد، ووزعي ابتساماتك على الجميع، مهما قالوا لك، واعتبريها طرفا ونكتا، وأشيعي السخرية اللطيفة، وانشري روحا خفيفة محبة متفائلة وسترين كيف أن الأمور والمشاهد تتغير تباعا.. فهي الدنيا هكذا، أفعالٌ وردودُ أفعال..
أما ما يعتريك من الناحيةِ العضوية من آلام فلا شأن للناس بها، فهي أمور تخصك مع الأطباء، وقد تكون شكايتك من الشقيقة وهي شائعة بين النساء والرجال في مختلف الأعمار وعلاجها قد لا يكون حاسما ولكن هناك أكثر من طريقة للتخفيف من حدة نوباتها..
سيدتي، وإلى كل سيدة، أنت زهرة ربيعية متى ما أردتِ ذلك، لا كما يريد لك الآخرون. فالربيعُ فصلٌ ينتهي في الطبيعة، وأما في النفس الإنسانية فقد يقيم أبدا.. وقد يغادر أبدا!