سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. يعود وهيب بن زقر معافى بإذن الله من العلاج في الخارج.. ونسأل اللهَ أن يمده بالطاقة البدنية لإنجاز مسيرة التنمية التي تخصه على الأقل، لأن الطاقة العقلية تفيض كالمرجل في رأسه.. ولما هاتفني من الخارج كانت المكالمة تقريبا من جهةٍ واحدة، نسي وهيب بن زقر أنه المريض وأني أسأل عنه.. نسيَ البدنَ المُسجى وثار كالعادة العقلُ الذي يسيل حمما وعسلا وغيرة وانتقادا ومحبة ومعرفة وتوجعا وخبرة، وحساسية شديدة ضد ضيق الرؤية.. اجمع كل هذه العناصر وضعها في إناء واسع به شتى من المعارف واتركه على نار لستين عاما.. ليكون الناتج طبخة عمر وهيبية لم تنته، لم تنضج مهما نفخ فيها النافخ.. إنها تنمية تخص وهيب بن زقر الذي ينافح عنها منذ عرفه مجتمعه، إلى أن يسلم له هذا المجتمع بهذه المعرفة، وإلا فإنه فرض على نفسهِ عقابَ حامل الصخرة سيزيف في ميثالوجيا الإغريق، كلما حملها لقمة جبل الأولمب تدحرجت للوادي ليعيد حملها للقمة من جديد أبديا.. صخرة وهيب بن زقر التي يحملها ثم تتدحرج، ثم يحملها وتتدحرج، وبدأبٍ لا يكل هي التي ترهق الجسد، وكل مرة تحرق من مخزون طاقته كي يغذي هذه الهـِمّة والحماسة اللتين لا يعرفان الشبعَ ولا يدركان الارتواء.. بنى منـْسكا اسمه التنمية وكان فيها أول العاكفين وآخرهم..
وهنا كل مفتاح شخصية هذا الرجل المنافح، كان بإمكان بن زقر أن يريح ويستريح، ويبني إمبراطوريته التي ستنمو هادئة، ويفرد أشرعة سفينته على الرياح التجارية لتأخذها لمراسي الثروات، وشواطئ الكنوز.. ولأمضى حياته ناعمة مترفة في يخت في الإدرياتيك، أو طائرة تحط على جزيرة مكتومة وراء المحيط.. ولتمتع بكل ما تهبه الثروة من متع.. وأن يكفيه شرّ الابتلاء بأمرين مُرّين هما همُّ العقلِ وهمّ الحبر.. إلا أن الرجلَ ابتلي فيهما ابتلاء حتى غفل عن راحة العقل التـَرِف، وصار تاجرا مغامرا يحمل ثروته على كفـّه، كما يحمل المقاتلُ روحَه على كفـّه.. ومضى يشاكس، ويكتب ويعارض، معرضا أحيانا مصالحه ومصالح أسرته لغضب المتنفذين.. ولكنه متصوف في صومعة التنمية التي كبرت في ذهنه حتى احتلته، وتورمت في قلبه حتى علـَّتـْه.. إلا أنه لا يتوقف لأن، بظني، أن إيقاعَ التنمية، وإيقاع عقله، وإيقاع قلبه هم أبيات في قصيدةٍ اسمها التنمية، أعمدة في هيكلها، وسوناتات في سيمفونيتها.. لذا هذا الرجل عشق المعرفة كما يعشق القدامى المحبوبات حتى المرض.. فلا الحبيبة تـُقبـِل بدلال، ولا هو العشقُ ينتهي بأي حال.. لذا هي ضريبة يدفعها السيد بن زقر، فامتشق سيفَ الحبر، وطاف بمبخر الناسك في صومعته القصية، وصار يكتب ويجري على الصفحات وكان يتعبها فعلا، لأن عقلـَهُ مثقلٌ، وطرحه متتابع كبيض الأسماك آلاف وآلاف تأكلها ضواري البحر، وما يبقى إلا القليل، ويبقى القليلُ كثيرا..
إننا لم نستفد من وهيب بن زقر، ولم نفهم أنه زُوِّد بكل هذه الأدوات والمواهب والحرص والغيرة والعناد والإصرار في ظروفٍ متقلبةٍ في أعمال متقلبة في مضامير عملية كادت تشمل كل شيء من التجارة المباشرة إلى الوكالات إلى الصناعة إلى المصارف إلى النقل البحري والموانئ، وشارك في العمل الحكومي التأسيسي، وانخرط في كل لجنة تضج في أول فورات البلاد.. وكل ذاك الوقت لم يجف الحبر، ولم تخمد المبخرة.. لم ينس يوما أن يعيد رفع الصخرة وحملها كلما وقعت..
لم يعد بن زقر يريد شيئا حسبما أعرف من استنتاجي من خلال كتاباته وهمه الأوحد، فلديه كل شيء يريده إنسان من الدنيا، فهو ابن الأسرة، وهو المتعلم، وهو المثقف، وصاحب الجاذبية الشخصية والشجاعة، وأعطي فوقها الهمّ، الهمُّ الذي ارتضاه، وهنا يجب أن نسجل كأمةٍ هذه التجربة، لا تسألني كيف هذه ليست مهمتي، فقد كتب الرجلُ وألـّف ولكن ليس هذا كافيا، إنها برأيي مسؤولية من أطراف تشترك فيها الغرف التجارية، والجامعات، والقيادات الرسمية وحتى المؤرخون..
ولعل من أصحابه أو أحبابه أو تلاميذه من يؤيده على رفع الصخرة الأهم وهي خروج مذكراته مادام في أوج تألقه العقلي، وتطهره المادي، وصفاء الذاكرة، وعفاء الخلافات القديمة، والحماسة التي تحجب الرؤى في أيام مضت.. أعتقد أنه واجب عليهم أن يخرجوا هذه الذكريات الغائضة في أعماق الذاكرة إلى سطح الحياة الفوّار..
وواجب عليك أيضا يا حامل الصخرة، فهذه الصخرة بالذات يا أبا عبيد عندما تضعها في القمة .. فستبقى هناك!