سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
. أريد أن يعرف قارئي وقارئتي الكريمان أني لست ضد قيادة المرأة للسيارة، ولكني أؤمن أن قبل صدور أي قرارٍ يجب أولا أن ندرس عواقبه ونتائجه، وهذا من عناصر الرؤية في القرار، والرؤية هي أن تحسب لما لا ترى، أو أن ترى ما لا يُرى، لذا كانت الرؤية عنصرا أساسيا في إنجاح أي قرار، وأي خطة نهوض وتنمية ورفاهٍ للناس.
جيدٌ أن يكون للناس أمانٌ، وليت من كانت أمنيتهم أن تقود المرأة السيارة (وهو يكادُ يتحقق بما تقول الشواهد)، بذلوا عينَ الجهدِ والحماسة في سبيل حقوق لها أهم وأكبر وأعم، ولكن ليس هذا مجالنا اليوم. سواء قبلنا أن تقود المرأة أو لم نقبل، فإني أقدِّر أنه أمر آتٍ وقريب، وليس دوري الحقيقي الذي سأحاسب عليه أن تكون الحماسة واسترضاء الناس من همومي، أؤمن أن همّي هو أن أعلـَم أن للناس أمانٍي ودورنا أن نبيّن أن الأماني وحدها لا تكفي، وإنما يجب أن ندرك ما نتائج وفوائد وعواقب تطبيق الأماني، ومن ثم التفرغ للإعداد لها على الأرض والواقع قبل أن تصير ممارسة معاشة. ويجب أن نؤمن مما درسناه وجربناه من تطبيقاتنا وقراراتنا السابقة أن للقرارات جودة نوعية مثل أي منتج، وأنها يجب أن تفحص وهي في خط الإنتاج، ويعاد فحصها قبل أن تخرج لعموم الناس..
وكنت أود أن أقسم المسائل هنا إلى اقتصادية واجتماعية ومخاطر فردية، ولكن بعد تأمل رأيت أنها تتداخل في بعضها مثل كرة من الخيوط الملتفة، وربما رأى باحثٌ أن يفكك هذه الخيوط خيطا خيطاً ليدرسها بعنايةٍ أكثر وأدق.
من الواضح أن الفاتورة المالية سترتفع على الأفراد في حال السماح للمرأة بالقيادة، فسيضطر الآباءُ والأمهات العاملات إلى شراء سيارات لبناتهن (أو لأنفسهن إن كن عاملات) لضرورة يرونها ملحة أو لما سيصيب المجتمعَ من عدوى الاقتناء والمظاهر. ومع ما نلمسه ونواجهه من صعوباتٍ اقتصادية يعانيها الأفراد حتى من هم في الطبقة الوسطى والشرائح من ذوي الدخول المرتفعة نسبة وقياسا سيكون هذا الإدخالُ الجديدُ مسؤولية مالية كبيرة أو قاصمة للظهر، ولكن من عادتنا كمجتمع استهلاكي أن نكسر ظهورَنا من أجل مظاهرنا وولعنا الخرافي بالاقتناء. إذن يجب أن نحسب الآن للفاتورة التي سيدفعها مجملُ الاقتصادِ الوطني في سبيل الكميات الضخمة من السيارات الطارئة بمبالغ هائلة ستدخل فجأة كجبلٍ حط من السماء، ونتقاسم جميعا ثقلَ هذا الجبل. ثم لا تنسَ أن اقتناءَ النساءِ للسيارات ومعظمهن سيكنّ في سن الشباب لن يقتصر على السيارة، بل على إكسسوارات السيارة وهي طبيعة نسائية لا يُلـَمن عليها فهي تجري في التكوين الأنثوي، وانظر كيف صرنا نرى إكسسوارات للهاتف المحمول لو جمعتها توازي ثمن الجهاز ذاته، ولا أنكر أن بعض الشباب صار يفوق النساءَ في الولع بالإكسسوارات الثمينة، وهذه كلها مبالغ ضخمة تنسلخ من جلد اقتصادنا بلا إنتاج ولا عائد، بل يزيد السلخُ مما سيلحق بمصروفات كل سيارةٍ من وقودٍ وإصلاح وصيانة.
إن ظاهرة الهرم المقلوب قد تتجلى فور تطبيق قرارٍ لقيادة المرأة، فستفيض الطرق بالسيارات التي ستقودها النساءُ تحت واقع تجهيزات تحتية ثابتة للطرق فيزيد المرور سوءا في الازدحام، وستحمل الطرق الضعيفة أرتالا إضافية من السيارات لم يُحسب لها حين التخطيط لإنشاء الطرق- الدورُ المفقودُ للرؤية (رؤية ما لا يُرى) - والزحمة ليست فقط ضررا جسيما بذاتها، ولكنها تسبب أضرارا ملحقة بالمستوى ذاته من الضرر أو تزيد، منها ضياع ساعات عمل وإنجاز تعد بالملايين في اليوم الواحد، ويكون معدل احتمالات حصول الحوادث مرتفعا، ولها نتائج بالتبعية مثل ارتفاع الخسارة البشرية والفاتورة العلاجية.
في ظاهرة دراسة المجتمعات، هناك ما يسمّى تحية البواكير، أي احتفال العقلية الجماعية ببدء ممارسة جديدة في المجتمع، وهنا يكون الحماسة والاندفاع والظمأ للنهل زاخما كسيل لا يقف، وانظر ما صار مثلا بعد انفتاح المجتمعات وراء الستار الحديدي في الدول الشيوعية بعد سقوط الستار – أطول طابور شهدته موسكو العاصمة السوفياتية التليدة في تاريخها ليس طابور الحزب أو الجمعيات، بل الطابور الهائل الذي تكون صبيحة يوم افتتاح (ماكدونالد) في جادة من أكبر جادات المدينة - تصور ما سيحدث في اليوم الأول لنزول المرأة للقيادة في الشارع من الفتيان ذوي الهرمونات الفائرة والطاقة المتدفقة، وما سيحصل من حماسةٍ ورهابٍ أولي الشارع والقيادة لدى النساء، وسيكون هذا ضريبته فادحة.
أنبه لذلك، وإن تخيلني بعضهم بمسوح المتشائم بردائِه الأسود، فليعلم بكل احترام، أن المتفائلَ قد يكون هو الذي اخترع الطائرة، أما المتشائم فهو الذي اخترع الباراشوت، فالرؤية التي قد تحسبها تشاؤمية، وعند الحاجة ستكون هبة من الهبات، هبة قد تعادل الحياة نفسها!
أما الخرافة الكبرى، فهي أن قيادة المرأة ستنهي ظاهرة السائق الأجنبي. أعطيك مثالا عاملات المنازل، تجد منزلا مليئا بالفتيات، (والفتيان) فهل نقص عدد العاملات أو استغني عنهن؟ لا بل زدن مع زيادة أعضاء الأسرة! وترى في بيت واحد خمس أو ست سيارات للأولاد، وبينما تبقى هذه السياراتُ أمام المنزل، أو لتجوِّل كل شابٍ بمفرده، لا تتحرك إلا سيارة السائق، وتأكد أن هذا عين ما سيحصل عندما تقتني الفتياتُ والنساءُ السيارات، سيبقى السائقُ دائما هو المهم لأغراض المنزل الأساسية.
لن أخوض أكثر في مسائل اجتماعيةٍ وأخلاقية، ولكن أقول قبل تطبيق القرار يجب أن تكون هناك الرؤية، وهذه الرؤية قد تحتاج إلى سنوات لإنجازها قبل التطبيق.. بعدها فتفضلوا!
.. المهم، رجاء، لا تروني محذرا متشائما، بل تذكروا الباراشوت!