سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. وأنا في مقهى إيطالي في منطقة "الجفير"، ساويتُ وضع جهازي المحمول، وجهزتُ أوراقي، وقلمي، والكتاب الجديد الذي لتوي اشتريته من مكتبة جاشنمال وهي من أكثر مكتبات العالم استحضارا للكتب الجديدة من مطابع نيويورك ولندن وسيدني، مستعدا مقدما لقضاء ساعات أحتسي بها كوبين من الشاي بالحليب المبهر (تركيبة خاصة لي) أو أكثر حسب التسهيل.. ثم طالعت بالرواد المعتكفين على شاشات أجهزتهم كالمتنسكين في صوامعهم، وأخذتني الأفكار..
الجفير منطقة جميلة في المنامة العاصمة البحرينية، ومنذ سنوات قليلة كانت أرضا مسطحة سبخة، ترتجف حوافـُها بالساحل الذي تناثرت حوله حضور ( مصائد مغلقة) صيادي الأسماك.. والآن وأنت تعبر شارع الملك فيصل في المنامة قادما من جسر الملك فهد ترى ناطحات سحاب انبثقت فجأة من باطن الأرض، فلم تعد ترى بين البنايات إلا فتحات تطل منها زرقة السماء. ولأنها منطقة جديدة وعصرية، كان لا بد أن يتناثر في أحيائها وطرقاتها وفي مبانيها المقاهي الحديثة بماركاتها العالمية المعروفة.. وكما في كل حيٍّ عصري في أي مدينةٍ عصرية في هذا العالم العصري، ترى الناسَ العصريين يملأون المقاهي، وتطلُّ على المطاعم التقليدية وترى أن أكبر ضيوفها.. الهواء. ولكن هل هذا يدل على تواصل اجتماعي جديد، أم أن ظاهرة جدية طرأت على الناس في كل العالم.. سنرى.
القهوة.. لم تعد فقط تلك القهوة التي يحتسيها كثيرٌ من سكان الأرض، كل بلدةٍ أو أمّةٍ بطريقتها حيث القهوة العربية المرة في الجزيرة العربية، والقهوة اليمنية، والقهوة الحبشية المحمصة بالأعشاب، أو القهوة الشامية، أو التركية أو الألمانية أو الإيطالية.. القهوة التي تغزو العالم هي التي ترسم العولمة الجديدة باقتدار، هي التي غيرت كل المفاهيم التقليدية حول القهوة الطقوسية الكهولية لتكون صرعة الشباب في كل الدنيا، وصارت ماركة مقهى مثل "ستاربكس" الأمريكي أكبر مضيِّف قهوة في الأرض، وتحول لدولة عظمى بضاعتها الأساسية القهوة، وأما مواطنوها فهم كل إنسان على وجه الأرض يستطيع أن يوفر ثمن كوب القهوة الباهظ الثمن.. ولكن يبدو أن مواطني المقاهي العالمية المخلصين يقتطعون فادحا من ميزانياتهم مهما هزلت في سبيل وقت أو بعض وقت بالمقهى.. وهنا سمةٌ جديدة توحي بتغيير يصير أمامنا في طباع الناس العصريين في يومنا العصري.
والشابُ الذي أمامي، يشعره المسرح بجلٍّ غليظ، وتحيط بأذنيهِ سماعتا "الآي بود"، وغارق في الحديث مع زميل افتراضي على الماسنجر.. وهو يضع كوب القهوة بالحليب المخفوق وكريمة غليظة من الكراميل، ربما لا يعلم كيف تكوّن هذا الشراب الذي يحتسيه بتلذذ واضح.. ولا من أين أتت حبة القهوة؟ وربما لا يهمه أن يعلم، فكل الذي يهمه هو هذا الولاء للمقهى، وجوّ المقهى والانقطاع الكامل عن العالم وعن الناس معتكفا على المحمول الذي يكاد يكون الصديق الصدوق الأوحد، وهنا سمة التغيير الثانية في هذا العالم العصري، الولاءُ للمقاهي أكبر من المعرفة، والتواصل مع الجهاز أكثر من الإنسان، علاقة لا تنفصم، ولا يعتريها خصامٌ ولا نفور.. علاقة الصداقة التي حلم بها المثاليون ولم تتحقق، صارت واقعا في صداقة الإنسان العصري مع جهازه.. وهنا تحقق المستحيل الثالث بعد الغول والعنقاء، وهو "الخلّ الوفي."
القهوة صناعة كبرى، وقد أكد الاقتصاديون أنها أكبر سلع العالم دورانا في الأرض، تـُحصد من أراضٍ بعيدة جدا عن الشاب المسرّح الشعر بالجفير، أراض قد لا يزورها أبدا في حياته، وربما حتى لم يسمع عنها، ولا يهمه أن يسمع عنها بقية حياته أيضا.. إلا أن قهوتي الإيطالية تفهمت لذلك فكتبت على لائحة التقديم فيها قصة رحلة حبة القهوة برومانسية حفلت بالروائح والأجواء الغريبة والملونة والمبهرة والحالمة، مع قصص بولغ بها بالخيال، ولو تسنى لذلك الشاب أن يقرأ تلك المقدمة المغموسة بلهب الأسطورة- وأنا سأباشر عليك بكوب من الكابتشينو الغامقة إن ثبت أن الشابَ قرأ تلك المقدمة. بل إنه لم يقرأ اللائحة، ففي المقاهي العصرية تفهم غريب وتبادل للشعور المحبب مع مواطنيهم ( أو مرتاديهم، أو زبائنهم اختر أيا تشاء).. لأنهم يكتبون ما يقدمون على لوحة منظورة بالطباشير، وحتى إن قرأها، فسيقرأ معلومات مضللة وقصصية لا تحكي واقع الجغرافيا، ولا شقاء وعرق الفلاحين، وعصابات التحكم العالمية في البن، وبورصاته التي صارت مثل المحافل السرية التي تريد أن تسيطر على العالم.. وفعلت! وهنا سمة أخرى جديدة، أو سمات طرأت على الإنسان العصري في المقهى العصري.. قلة الاكتراث بالمعلومات خارج المقهى، وخارج الجهاز، وفقد الإحساس بما يجري في العالم خارج ساعات حياته التي يتطلع بها بعد العمل للهروع إلى المقهى، وصار العالمُ أربعة أقسام: الزارعون المساكين المعدمون، محتكرو المزارع لورداتُ القهوة الكونيون، والشركاتُ ملاكُ المقاهي.. ثم ملايين المرتادين. وترى أن العولمة تتحقق في "الستار بكس" أو "سياتل" أو "الكوستا" أكثر من منظمة التجارة العالمية العتيدة.. والناس بها أكثر إخلاصا، وأقل لؤما ومكرا، وأميل جدا للسلام والانكفاء..
لم تنتهِ أفكاري.. فقد جاءت طفلةٌ أجنبية.. لتدلل على سمة تغيير أخرى أحدثتها المقاهي، حين قالت لأمها التي وضعت جهازها المحمول وكتابها وبعض أكياس التسوق على الطاولة: "مامي.. هنا أشعر وكأني عدتُ لوطني.."