سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. كم يكون الحزنُ ثقيلا، حين تكون العواطفُ لا يسعها الكلامُ، ولا يرويها الدمعُ، ولا يخفتُ التوق..
وتبقى حقيقتان أبديتان، أن الموتَ حقٌّ، وأن حياةً أبديةً في السموات حقّ.. لذا، مع الوقت تطفئ هاتان الحقيقتان نارَ الحزنِ الذي يـُلهـِبُ أحشاءَ القلب.. ومع الزمن يبقى وميضٌ خافتٌ في القلوبِ لا ينتهي، ولكن يطمئننا، حين تسري السكينةُ، أن من نحبهم وفقدناهم، محروسون عند قوةٍ أعلى وأكرم وأرحم.. وأننا يوما سنلاقيهم وسنضمهم، وسيكون عناقُ الخلود.
الإنسانُ المصفـّى "خالد السهيل" أخي وصديقي، والمسؤولُ عن إدارة الملاحق في الشركة السعودية للأبحاث والنشر، أبٌ من ملايين الآباء، ويحب بناتـه جَمـّا، كما يفعل ملايينُ الآباء.. إلا أنه من صنفٍ نادر من الرجال، فهو عميقُ الإحساس، رقيقُ الحاشية، هائلُ التهذيب، ورحبُ الثقافة, وكاتبٌ ينثرُ الزهورَ على السطور.. وابنته اليافعة "لينا" رحلتْ قبل أمس، بحادثٍ أخذها عُنوة وفجأة.. وكان رحيلا بلا وداع.
ماذا نفعل؟ هل نستسلم للحزن؟ لن يجيب عن هذا السؤال إلاّ قلبٌ شجاعٌ ومؤمنٌ، والقلبُ الشجاعُ المؤمنُ يعرف الجوابَ، وهو أن الحزنَ سيسيطر علينا في البداية، وسيـأكلُ من وجودِنا، وفي النهاية الإيمانُ بالله والشجاعة المحتسِبة عنصران بطيئان ولكنهما ثابتان، ودائما هما اللذان يبقيان بجانب أصحاب القلوبِ المؤمنة الشجاعة حتى يأتي يومٌ ويكون الحزنُ قد هُزم تماما، ولا تبقى إلاّ تلك الأشواقُ النبيلة التي تذكرنا بالدعاء لمن غاب، وإصلاح حياتنا، وتكريسها للأفضل لنا ولأبنائنا، ولأصدقائنا.. وللعالم الذي نعرفه ويعرفنا.
كل يوم تفقد أمٌّ وأبٌ بنتا أو ولدا، ثم تثور هذه الأشاعيرُ الصاخبة والضاجة، وتعزلهم عن العالم.. ويثيرُ الواقعُ خواطرَ تعصرُ الروحَ، فيحسون أنهم موجودون ولكنهم لا يعيشون، يشعرون أنهم رحلوا مع الحبيب الراحل، وبقي منهم هذا الجسدُ الطيني يواصل الحياة ولكن ينقطع عن العيش.. عشتُ تجربةَ أبٍ صديقٍ كان ينوحُ ويردد عندما غادره ابنه الوحيد في حادثٍ خاطف: "من رحل؟ من مات؟ أنا؟ أم هو؟ أظن أني أنا الذي متّ وأعيش الآن في جهنم؟". هذا الأبُ الآن تغير تماما وأحاطته أنوارٌ هادئة، وشمله سكونٌ غامر.. وكرّس نفسَه للأيتام، ومواساة من يفقدون أطفالـَهم، وكان قد طلب مني، حين يكون جاهزا تماما بعد تقاعده، أن أنشر بريده الإلكتروني لأنه نجح فعلا وبمهارة أن يأخذ بأيادي من فقدوا أحبـّاءَ إلى ضفافِ السكينةِ والرضا، وهو سعيدٌ بذلك.. ويذكرني دائما أنه يريد، ضمن أشياء يدعو اللهَ أن تتحقق، أن يغفر له يومَ كان يردِّدُ أنه مات ورحل إلى جهنم. لقد أراه اللهُ طريقا منيرا وخطا عليه.. وصار يستجمُّ بالأنوار.
إني أشعر أن من مات موجودٌ وأكثر حياةً مما كان. إنه موجودٌ أولا في تلك الحياة الأبدية التي وعدنا بها خالقـُنا، وهو موجودٌ في كيانِنا في ذكرياتنا، في أيامٍ كنا معه قد ضحكنا، وتعانقنا، وبكينا، ومرضنا، وشفينا.. معا، دائما معا. رفقةٌ غامضة التفسير ولكن فوّارةُ الإحساس ولا تفارقنا أبدا. إني والله أحيانا أشعرُ بنفـس والدي، يرحمه الله، على بشرتي أقرب مما كان أبدا.. إنها رفقة قوية وحاضرة ولازمة.. وكأن أحباءَنا الذين رحلوا أبوا أن يتركونا وحيدين، فتبقى رفقتهم، وإن همُ رحلوا من حياتنا الفانية..
ويبقى الصغارُ مثل "لينا خالد السهيل"، طيورُ الجنـّةِ، وتـُفتح لهم رياضُ الفراديس، وهم في نهاية الأحزان قوسُ قزح بألوان الرحمة لأنهم مغسولون مطهَّرون من الذنوب والأردان التي تعلق بالإنسان وهو يكبرُ فيُساءَل.. وهم يشفعون لآبائهم وأمهاتهم أمام العرش الأمجد. وبإذن من خلق لينا وسواها واختارها لجواره ستكون يوم الجـَمْع المهيبِ على بوابة الفردوس تنتظر أغلى أحبائها وتدخلهم معها للقاءٍ لا فراق بعده.. لقاء الخلود.
لينا خالد السهيل بإذن من سواها، واختارها، وخلقها.. اختصرت الطريق إلى سعادة الأبد!