أبكيتني يا ناجي، وأحييتَ ما مات في قلبي (2 من 2)

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. كان مقال السبت الماضي الذي نشر به رسالة ناجي محمد من الرياض، الفتى البالغ من العمر 18 ربيعا، والمصاب باللوكيميا، مثار ردود أفعال بالمئات من أقصى البلاد إلى أقصاها، رسائل، ومكالمات، من جدة, الدمام, الرياض, القصيم, الشمال والجنوب، والكل يريد أن يقدم شيئا لناجي.

أطباءٌ من جمعية السرطان في الداخل، وفي الخليج ومن مصر ولبنان والجزائر وفرنسا وأمريكا وكندا كلهم مدوا يدا واحدة من قلوبهم ليساعدوا ناجي بأي شكل من الأشكال.. على أن ناجي محمد لما أرسل لي رسالته قد كان هو الذي يساعدنا، هو الذي يحاول أن يقومنا، هو الذي يعرض حال القصور في بعض ميادين بلادنا ومجتمعنا، وهو كما قال، يكتب رسالته الأخيرة في الحياة، طلب مني أن أعده ألا يلقى ضعيفٌ ذُلاًّ في وطنه، وأن يقاس الإنسان برأسه وأفكاره، وليس بشكله وقوة عضلاته.. كان ناجي الشاب الصغير يريد أن يساعدنا وهو يصارع المرضَ العضال، والشللَ، وعدم النطق.. وساعدنا بالفعل، أيقظ مكامن الخير في الناس، وما رأيت سيلا من الخير غمرني مثل ما فعل الناس تجاوبا مع ناجي..

ولكن ناجي لم يكن يريد منا شيئا، ولم يكن يريد من الدنيا شيئا، من كل قلبه الحي ومن وجدانه الذي بقي منيرا ثابتا رغم عِلـَّة البدن وضمور العضل أراد منا أشياءً بالفعل.. ولكنه أرادها لنا، ولم يردها له، وكأنه يقول رضيت أن أترك تجربتي لكم في الدنيا لتتعظوا، وتصححوا أخطاء مجتمعكم. ووصاني أن أقف مع من أصابهم ضمورٌ جسدي وبقيت عقولهم فائرة بالذكاء حتى لا تلتهمهم سوء المعاملة، وضلال التقدير، وقسوة الإهمال. وكأنه يهمس في روحي: "أنا أرحل مقيدا في الدنيا ليس بعجزي، ولكن بعجز الناس أن يروا قوتي.. وسأذهب إلى مكان تنطلق بها كل قواي معانقة الخلود..".

أريد أن تتعلم أجيالنا الطالعة من صبيٍّ منهم، صار له حادث في سنوات عمره الزاهية، وكان ولدا عاديا ذكيا نشطا ثم تأتي سيارة وتنهي كل ذلك وتتركه بلا قدرة على أهم ما نعبر به مسالك الحاضر والمستقبل، القدرة على المشي والقدرة على الكلام، ولكنه لم يستسلم، ولم يقبل أن يقال إنه معوق، أو يلتحق بمدارس خاصة، بل ذهب مع الأولاد العاديين في المدارس الحكومية العادية حتى أنهى الثانوية متفوقا على أقرانه المكتملين بدنا وعضلا.. إنه، وبربِّي، درسٌ على المثايرة، والإيمان بتعويض الله، والشجاعة ومصارعة الإحباط، والتفوق على بواعث اليأس.

وأهم ما في ناجي رغم إصابته، رغم من تعدى عليه وسلبه جمال شبابه، ونضارة عافيته، أنه كبُر قلبه بالحب حتى كاد يقتات عليه كيانُه طاقة ووقودا.. ولم تنمُ داخله ذرةٌ إحباط أو كُرهٍ أو انتقامٍ أو شكوى أو سؤال واحدة، بل بقي مرفوع الرأس، يغرف من معين الرجولة والثبات وهو في سن صغيرة..عمل ناجي في شركة وطـُرد، ثم راح وهو الموهوب برسم اللوحات ويبيعها ومع كل لوحة يبيعها يودعها باكيا وكأنه يبيع أحد أبنائه.

الصغير ناجي هو معلمي الكبير، هو منارتي الهادية، وأفكاري مثل قارب خشبي صغير تتلاعب به أمواج الظلام وتلمس الأخطاء ونفض اليد من الأمل .. والمنارة بشعلتها الصغيرة قادتني إلى بر التفاؤل والأمل. علمني ناجي أن أطالع مصادر الفجر، وألا أغرق في الظلمة المنسحبة.. علمني أن قوة الإنسان بلا حدود، متى آمن بأن الله معه وهو يقدر له، وقدرة الله بلا حدود.

والعجيب أن ناجي تفوق في الثانوية إلى حدود الدرجة الكاملة وبدل أن تتيح له الجامعات مكانا سنيا، وتعتز بالتحاق شابٍّ مثله بها، رُفض كما أخبرنا لأنهم حسبوه معوقا، وأقولها صراحة في رمضان وأمام الله إن من رفض ناجي محمد المتفوق المشلول الذي لا ينطق.. هو المعوق!

قابلت مدير جامعة من جامعاتنا، ووعدني بأن يزودني بمعلومات عن هذا الموضوع، وألا يسمح له بأن يتكرر في جامعته، ومن يدري فقد يغير ناجي محمد وهو يباري الموت الصيغة الجامعية في بلادنا وينفخ فيها روحا جديدة مليئة بالحياة.

حتى كتابة المقال، حاولت الاتصال مرة أخرى بناجي محمد عبر بريده الإلكتروني، ولكن محاولاتي راحت هباءً، وأرجو ألا يكون قد حصل له ما يحزنني فقد كنت أود أن أطل عليه وأقبل جبينه..

أرجوك يا ناجي، أو من يعرفه، إن قرأ المقالَ أن يتصل بي عبر الجريدة أو من بريدي الإلكتروني، وإن كان مسجلا في أحد مستشفيات العاصمة أرجو تفضلهم بإبلاغي..

ناجي محمد، لا تتركني.. ما زلت أحتاج إليك.‏