تزمت المثقفين .. أم تجرد العلماء؟

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

هل بلدنا يخلو من العلماء؟! كلاّ..

نعرف الكثيرَ من العلماءِ حولنا ممن سجلوا أعلى الدرجات وحازوا مراتبَ علميةً دولية.. على أن الغائبَ الكبير هو دورهم في التفاعل الوطني..

لقد كتبت في أكثر من مناسبة متخوفا من الحوارات القائمة على الجدل والنقاش الذي يتزعمه المثقفون والمنظرون المتشددون، وإني أضع يدي على قلبي خوفا من ديكتاتورية المنظرين، وشراسة اقتتالهم.. ونوع الحوار القائم على هذه الفئة من العقول نتصوره مثل كرة الثلج يكبر حجما في كل دورة، ولكنه ينطلق متسارعا بالحجم والجاذبية من الأعالي إلى السفوح. ونخاف أن نورث لأجيالنا حوارات تشابكت، وتعقدت، بدأت .. ولا تنتهي! نخاف مشفقين ألا يفعل هؤلاء إلا نفض السجاد ليتطاير كل الغبار ولكن في عيوننا فيغشيها، وفي رئاتنا فيسد مجاري تنفسها..

أين العلماء؟ نريد دورهم.. فالعلماءُ هم الذين يتسامون عن خلافاتهم من أجل الفريق، فريق البحث العلمي.. ثم إن بإمكانهم منحنا شيئا مهما نسميه "شعلة الحلول"..

قلنا إن العلماءَ يحملون شعلة الحلول ؟ ونقصد أن دأبهم الموضوعية الجادة، والحيادية في الانعزال عن الظروف المحيطة في سبيل إنجاز المهمة العلمية.

العلماءُ موضوعيون، فهم لا يدخلون تجربة عقيمة، أو أنهم ينسحبون من التجربة في أول بوادر عقمها، فلا يخوضون التجارب إلا بعد دراسة وملاحظة، ثم يضعون وسائلَ القياس، وطرقَ الإجراء.. ثم تحليل النتائج تمهيدا لإثباتها. وترى أن العقليتـَيْن العلمية والعملية هما اللتان سيَّرتا الركبَ البشري، وليست نقاشات تنظيرية غير محددة، وتتعرض ليس لالتباسٍ واحد في الفهم، بل لآلاف منه..

والعلماء محايدون جدا، ولا يستقيم عملهم ولا بحثهم ولا تطبيقهم، إلا بالتزام القانون العلمي الصارم، ولا يدخل في ذلك ذرة من الانحياز أو العاطفة، وإلا فشل البحث من أساسه. والعالمُ لا يضيع الوقتَ في بحثٍ أو جدال لا يقف على أرضية وأركان واضحة، ولا ينطلق من مجرد فرضيات، بل على حقائق أثبتها من قبله من سبقوه من العلماء.. إنها خطوات متتابعة، في طريقٍ مشرقٍ واضح الاتجاه.. فما أضاع الأممَ إلا جدالات غير علمية، أي عندما تفتقر إلى الموضوعية، وتخلو من الحياد.

ونعيدُ القولَ، إننا نخاف من سلطة المثقفين المتزمتين، لأنهم لم يتفقوا عبر التاريخ بمشاربهم، بل إن تنظيراتهم تخلق من الفرقة، أكثر مما أوجدت من التقارب. ولك أن تعرف من سجل حقائق التاريخ الأممي أن أعظم المذابح التي نُحِر فيها الناس، وأكثر أنواع الحكم أوحدوية هي لما حكم مثقفٌ أو مثقفون. وتعرف الآن أن كتبا من رشدي، ومن هنتجتون، ومن فاكوياما، ومن حيدر حيدر، أقامت الدنيا وشقت في الفرقة ووسعت محيط الكراهية..

فضلُ العلماءِ أنهم تقودهم العقولُ، والعقول تهتم بالنتائج. والمثقفُ المتزمت نرجسي يحب أن يستعرض مزاياه وهذه طبيعة كل الفنانين، لأن الفنَّ قائمٌ على القدرة الاستعراضية، وهذا الولعُ الاستعراضي يجعلهم يستغرقون في الجدل والمواجهة في إثبات التفوق الفكري، إلى أن يتهمش الغرض الذي من أجله دار كل الحوار..

والعلماء تقودهم النتيجة، والنتيجة لا يمكن أن تأتي بالاستعراض الفردي بل إنكار الدافع الذاتي والغرق في العمل ومواصلة البحث..

المتزمتون من المثقفين والمطلعين في الكتب والحضارات والعلم الإنساني الصرف أدمغة فوّارة بالفعل، ولكن تصحبها أيضا قلوبٌ أعنف، ولذا هم يبزغون ويبرزون في التنظير، وتتبعهم الملايين، وتردد كلامهم، وتتشيع لهم أو ضدهم، ولكنهم يخفقون إخفاقا كبيرا في التطبيق، ودون التطبيق تصير الدنيا بحرا من الطحينية كما يقول العموم من الناس..

وعلى النقيض فإن العالِم لا يهتم بأي معلومة إلا لكي تكون صالحة للتطبيق، وأي معلومات تأتيه لا تحمل إمكانية تطبيقية فهي عنده كالغازات الخاملة، وربما أقل من ذلك. العلماء يحملون أيضا عقولا فوارة، ولكن العقل بمعزل تام ومنيع عن كل ما يعتمل في القلب، فلا يختلطان، ولا يجور أحدهما على الآخر..

ثم إن العالم يهمه فريق العمل، بل إن عمله من المحال أن يستقيم وينجز يدونه، وربما كانت هذه الصفة فيهم هي من أهم الصفات التي نحتاج إليها حاليا.. أي الإيمان بتضافر فريق العمل، بغض النظر عن الفئة الاجتماعية والانتماء المعتقدي.. لأن الذي يقود الجميع هاجسٌ واحد، هو إنجاز المهمة! هذا الهاجس يجعلهم يتحدون، ويتعاملون، ويعتمد كل عنصر منهم على الآخر.. أوليس هذا كل المنى؟!

في الحوارات المقبلة، جربوا أن تشركوا العلماء..