سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
أجزم مثل ملايين غيري بأن "ألبرت آينشتاين" هو أكبرُ عقلٍ عاملٍ ظهر في القرن العشرين، ولا يباريه أحد. وكنت أفكر لو أن السيد الألمعي، فخرُ علوم الرياضيات والفيزياء الكونية، جاء مشتغلا في البورصة السعودية، هل كان سيجني ثروة طائلة؟ أم سيُفرَمُ لحما هشـّا بآلة الطحن العملاقة التي طحنت أموالَ الملايين؟ سؤال قد يكون نسبيا. لأن أينشتاين هو منظـّر النسبية الأول .. وما زال.
لم يكن آينشتاين طفلا نبيها أبدا وهو صغير، حتى أن أهله حسبوا أن به جُنـّة أو تراجعاً عقليا، ولو بقيَ على هذا المنوال فمن غير المستبعد أن يكون لما يكبر صالحا للعمل في سوق الأسهم السعودي، خصوصا أنها تحتاج إلى المخاطرة غير المحسوبة وضعف تقييم العواقب، فيمكنه أن يجازف بأموال الناس- في رأيي أن مقياس الحكمة يبدأ من عدم جمع أموال الآخرين- ويضرب ضربة كبرى يُثرى منها وإن كانت النتيجةُ ضياع الناس، وسيحجز مكانا عاليا في صف كراسي السوق الأمامية، وبالتالي فإن وجود عقله من عدمه لم يعد له تلك الأهمية، فآله المال قد استمرت تعمل أوتوماتيكيا!
ولكن آينشتاين نما عقلا مذهلا، ويقول حسب مذكراته، إن كل تحوله العقلي – أو ألإدراكي- لأن آينشتاين يعتقد أن العقل ثابت والإدراك نسبي- ما علينا، المهم يقول إن بوصلة أهداها له أبوه وهو يافع كانت البرق الذي أنار ظلمة عقله ثم استمرت الإنارة حتى فاضت روحه. البوصلة كما تعرفون أبرة ممغنطة تشير دوما إلى الشمال مهما قلبتها، أو رميتها، أو ركلتها.. بالنسبة لآينشتاين كانت سحرا لأول وهلة، ثم فتحت أمامه فيوضَ العلم الأوسع: الكون.
إذن الفضاءُ ليس خاليا لابد أن يوجد ما يحرك الأجسامُ ويجعلها تدور في جهة معينة.. وهذا عينُ صفة السوق السعودي فهناك ناسٌ لديهم الإبرة السحرية، والحقيقة إنها "ظرفية، سبق- معلوماتية"، وهذه الإبرة تحدد دوما اتجاه الربح، دائما الربح، مهما تقلبوا، وتمظهروا، إلا أن المؤشر دوما على اتجاه واحد الربح.. هل تنفع إبرة آينشتاين لو ساهم الآن بأن يربح دائما؟ ليس أكيدا، لأنه إن اعتمد المؤشر فقط فقد يكون صحيحا، ولكن (قد) يكون هناك من لعب بالاتجاه نفسه فلم يعد الشمالُ شمالا، كما حصل حين يكون المؤشـِّرُ على الشركات الخاسرة مثلا رابحا.. ولكن، قد تكون للمستثمر آينشتاين فرصة.
تذكرون أن البوصلة والانجذاب المغناطيسي جعل آينشتاين يتفتح إدراكه على قوة جذبٍ كونيةٍ تتجه لها كل الأجسام والموجات الكونية، فلو طبق آينشتاين هذه النظرية في السوق السعودي وصار "صانع سوق" فهنا ستتحول كل موجات المال باتجاهه، وسيكون مثل قوة الجذب التي تنشر شعاعَها في أقطار الفضاء، فإن صانع السوق الخفي سينشر المعلومات أثيريا في الأصقاع، وستهب آلاف المساهمات الصغيرة ضمن تيار نهر الجذب العظيم.. وهنا سيكون آينشتاين ثريا بشكل لا يصدق، ربما حتى قبل أن يصل إلى الثلاثين ليكون عالما نظريا، إلا أن وصلته يدُ هيئة المال الضاربة، ولكن هذه اليد تخضع أيضا لمنطق المغناطيس الكوني، فهي تصل فقط إلى الأجرام الصغيرة، ليس الموضوع موضوع صراحة.. ما العمل؟ إنه موضوع قانونٍ فيزيائي كوني لا حيلة لي فيه.
ولقد ظهرت المعادلة - التي قلبت علم الفيزياء في الأرض من عقل آينشتاين - التي تقول إن الكتلة تساوي الطاقة مقسومة على مربع سرعة الضوء، ولقد كانت هي السبب المباشر في بزوغ سلاح الرعب الأول: القنبلة الذرية. المعادلة تصور لنا الطاقة العظيمة الحبيسة في جزء من المادة ( حتى أنه يقال لو أن كيلو جراما من الفحم استحال إلى طاقةٍ خالصةٍ لأعطى أكثر من 25تريليون كيلو وات ساعة من الكهرباء بما يساوي كل ما تنتجه شركات الكهرباء في العالم العربي لمدة شهرين بلا توقف!) .. ربما لو أن آينشتاين عُيَّن محافظا لهيئة المال لحسب الطاقة الكامنة في كل مساهم صغير، وعدل دراماتيكيا في آلية وشفافية السوق حتى لا تتحرر طاقة الغضب واليأس.. الذريتين.
على أن آينشتاين كان بعقلٍ كبير، فمات قبل ظهور سوق الأسهم السعودي!