أيها الرقيبُ راقب الله!

سنة النشر : 01/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. الضميرُ الرقيبُ هو الذي يسمح، وليس الذي يمنع.

حُكم "يُجاز المقاُل" أو "لم يُجـَزْ" ينتظره الكاتبُ بتوجسٍ، خصوصا لما يعالج شأنا يهم حياة الناس الذين يتطلعون إلى أن يكون الكتـّابُ أصواتـَهم المعبرة، وقلوبَهم الناطقة، وأوجاعَهم المسموعة. أن يكونوا القناطرَ بين آمالهم وبين رعاة الأمة.

متى صار الكاتبُ يشعر بداخله أنه متى قال الحقَّ صِرْفاً قد يمنعه من أن يضع نفسه رقيبا عليه، بل رقيبا على شعور قسم من الأمة، وطيفٍ من الناس، فيحجر على الانسياب الذي يجب أن يجري سائغا بلا عراقيل بين الناس ومن هو مسؤول عن الناس، فإن الكاتب هنا (قد) يضطر إلى لوي الكلمة، وتمويه العبارة.. فيكون المدخلُ إلى الصدقِ لا يخلو من التزييفِ والكذبِ، فننزلقُ لمجرىً أخلاقي لا نستطيع به تحكمّا..

لا يُمانع منصفٌ أن يكون هناك رقيبٌ على المقالات، ما دام حكيما، صادقا، عارفا، خيِّرا، مطلعا ومثقفا، ولديه نوازع الخير واتزان الرأي، ويغالبُ أي تيار للتخوف والتزلف وطلب نجاةٍ وهميةٍ حين لم تهدده مخاطر..

الضميرُ الرقيبُ هو الذي يسمح وليس هو الذي يمنع، ولكن الرقيب الذي يوضع على البوابات يراقب المقالات ليمنعها من الدخول إلى أحضان النشر هو كائن مشحون يملأه الحذر، وتسكنه الريبة، ويتشمم الخطر.. حتى يغرق في هاجس لا يتجسد، وفي وهم يراوغ الحقيقة. ظهر الرقيبُ وهو يحمل مهمة المنع، ويمنح بركته بإجازة النشر أو ينزل مقصلته بعدم النشر.. صار الرقيب يدخل النوايا ويقرأها ولو تبرأ منها أصحابُها.. مع الزمن صار الرقيبُ يُعمي العين، بينما الغرض من إجازة الأفكار توعية البصائر..

إنما الضمير الرقيب هو الذي يسمح، لتخرج من تحت رقابته الإيجابية الأفكارُ البناءة، الأفكارُ الهادفة، الأفكارُ التي تنشر الضياءَ وتنثر عطرَ الحقيقة، الضمير الرقيب هو المصفاة التي تمرر السائغَ من المواد، وتمنع الكدرَ والشوائب من المرور.. هو معمل التكرير الذي في نهاية الجدول، يمدنا بسوائل الطاقة الفكرية لقيادة المجتمعات إلى ساحات الأمل، وميادين العمل.

الضميرُ الرقيبُ لا يمررُ الكدرَ والشوائب، كما قلنا، بالصفات المحددة التي لا تكون مطاطة، أو قابلة للتشكيل والتغيير طبقا للهوى والمصلحة الضيقة.. لابد أن يكون الكدر والقذر والشوائب هي ما نتفق عليها كلنا من حيث الذوق والذائقة والقبول والمبدأ.. من يصف الظلامَ بالنور، فهو مغالط ٌمذهونٌ، أو أنه دراكيولا يحيا في الظلام..

الضمير الرقيب هو الذي يسمح بكل ما هو خير أو يسعى في الخير، كل مسعى للبحث عن الحقيقة، كل جهد، كل حرف، كل نقطة حبر، أو نبرة صوت تجدُّ في المسعى الإنساني الأسمى للكرامة وللحرية الفردية والازدهار الجمعي، حتى ولو صادف شيئا من عوائق المصلحة، أو ضد حالة يفرضها اليوم، ولا يقرها مجرى الزمن..

الضميرُ الرقيبُ يزن الأمورَ بميزان مهم اسمه الحكمة، وليس التزلف السريع والادعاء الحمائي، فهو عندما يضع مثاقيلَ الحكمة يعرف أن الذي يُقال ويُفصح عنه أقل خطرا من المسكوت عنه، فحينما تتجلى الحقيقة في النشر والإفصاح، يعم الكذبُ والتضخيم وورمُ الإشاعات الخبيث، وتكون الحقيقة ُهي الضائعة التائهة، ولم يعد سهلاً أن تعود..

الضميرُ الرقيبُ يقف محارباً ضد المعلومات التي تضر في الذوق والأخلاق.. ويشجع كل معلومة ما دامت في مساحات المباح الديني والأخلاقي، وغير ذلك هو طمرٌ للرأس في الرمال، بينما يبقى باقي الجسد مكشوفا لكل عين وعرضا لكل ريح..

الضمير الرقيب لا يفكك الأفكارَ، ولا يقرأ تعسفا بين الكلمات، ولا يلوي المعاني، فيعرف الكاتبُ من كتابته ومن صفة توجهه العام، فهو يسمح حتى لو التبس عليه المعنى، لأن شاهده المعرفة المستمرة لنهج الكاتب، وليس التأثير المُقتـَطع..

الضميرُ الرقيبُ لا يخدم أحدا بالتحديد، وإنما الجميع بلا تحديد. فهو خادم أمين في بلاط الحقيقة وفي ساحات المصلحة العامة، والذوق العام، والأخلاق العامة، هو لا يمنع الاتهام للصِّ متى ما توافرت الأدلة، ولكنه يحمي اللصَّ مادام متهما، كما يفعل مع الشرفاء، إن لم تـُقدَّم التهمة ُمدعومة بالبرهان..

الضمير الرقيب يعرف أن الكلمة هي الوسيلة لنقل النصيحة، ولنشر المحبة، ولبث الدعوة، وهي الجسرُ الذي يصل القلوبَ بالقلوب، ويصل العقولَ بالعقول. وهو يعرف أن الكلمة من الممكن أن تدمر السكينة وتشعل الحروب، وتضرم الحقدَ، وتفجر الكراهية، فيحمي الأولى بكل ما يملك، ويحارب الثانية بكل ما يملك.

الضميرُ الرقيب يدرك أن الكلمة تحمل الأفكار، وينتشي بمتعةٍ محسوسةٍ وهو يقفز بينها وحولها، فالأفكارُ الأصيلة تغني وترقص وتبهج وتدغدغ الدماغ، كما قد تتشيطنُ عليه أحيانا. تضيء الأفكارُ المخيلة َوتدفئ القلبَ.. فالأفكارُ تتصف بالجلال، وتحملُ الوعود.

الضميرُ الرقيبُ يعرف أن الأفكارَ تخرج من المبدع فتصير مُلكا يتباهى به، وعندما تُغيـَّبُ أفكارُه يُسحق شيءٌ من قلبهِ وكيانِه.. هو قاض أمام محكمةٍ كبرى يعرف أن روّادها من أكثر الناس إحساسا وحساسية..

وهو يعرف أن من أراد للكلمة أن تنتشر كالنار في الهشيم، فكل ما عليه هو أن يحاول خنقها!