سنة النشر : 01/07/2009 الصحيفة : الاقتصادية
نتمنى في العيد:
(1)
- أن ندرك ونعي أن جماليات الحياة ليست فقط في تحقيق المهام، ولكن أن نذوق الجمال، وأن نجرب السعادة ونحن في طريقنا نحو إنجاز الأهداف. لقد اقتنعنا، أو تم إقناعنا أن مَن سهر الليالي حقق المعالي، وأن مَن جد وجد.. وكأن الطريق لصنع المستقبل يعني التضحية بهناء الحاضر. أريد في هذا العيد أن نعيد برمجتنا الذهنية من أجل أجيالنا التي تزهر كل إشراقة صبح بأنه صحيح يجب أن نحرث الأرض وننثر البذور في الأرض، ثم في المستقبل نحصد الثمار، ولكن ألا يعني هذا أن الحرثَ وتوزيع البذور مجرد عرقٍ وكدٍّ، ولكن مع العرق والجهد متعة وسعادة أيضا. لا يجب أن تكون المدارسُ مجرد واجب كادح وهمة جادة وجفاف فقط، ولكن يجب أن تكون أيضا مصدرا للسعادة والتسلية، لأن العمر الجميل لا يجب أن ينفق بأعمال تخلو من الجمال، فيأتي الجمال في المستقبل ونكون قد ضيعنا على أجيالنا جمال الحاضر الذي صار ماضيا.. العمر الجميل لا بد أن يكون فيه أيضا وقت للمتعة والناس تعمل، وقت للتسلية والناس تذاكر، وقت للمتعة وسط صحراء من الجدية.. حتى لا نصلُ المستقبلَ الضاحك فنجد أن عضلات وجوهنا تيبست فلم تعد تستطيع الابتسام.. أن نتعلم أن الحاضر جميل وممتع، كي تنمو عندنا أنسجة الابتسام عندما يأتي المستقبل واعدا وباسما.
(2)
- أن نؤمن ونثق بكمال أقدار الله وصنائعه، وبهذا الإيمان بذاك الاكتمال، لا يجرفنا هذا السيل الصاخب من العواطف السلبية التي تثور عندما نحبط، أو نقع، أو نفشل، أو نحزن، أو نبكي.. لأن قدر الله بالأحداث نسق عام لا نرى إلا ما يجاورنا من قطاعه فيغطي الجزءُ النسقَ العام، أن قدر الله طريق من بداية ونهاية وعندما ننطلق لا نرى النهاية، ولكن لا يجب أن نعود إلى بدء الطريق لأن مطبا اعترضنا، أو انحدارا عنيفا جذبنا، أو أن بعض العلامات ضاعت من الطريق.. يجب أن نثق أن الطريق بما أن له بداية فلا بد من نهاية، وبما أن الطريق ممتد وموجود فلا بد أنه وضع من أجل محطة نهائية تستحق تعب من يصل إليها بعد أن سار على الطريق. عندما تنكص من أول عثرة، من أول انحراف جاد، من أول تسلخ في القدم وأنت تطيل المسير، فإنك بهذا غامرت بالغنيمة الكبرى: الوصول للنهاية، وهي المحطة التي لم يوجد الطريق لولاها.. لأن رصف الطريق لم يكن عبثا.. ولأن الأقدار يصنعها الله للاكتمال وليس للعبث.. فالهندسة الربانية محكمة ودقيقة القياس.. كل ما علينا أن نجتهد في المسير مهما كانت مصاعب الطريق، لأن المحطة النهائية تستحق. محطة النجاح!
(3)
- قالوها من زمان.. تأتي ريح عاتية فتقلع شجرة صارمة، وتمر الريح العاتية من خلال حقل سنابل القمح والذرة، فإذا هي حقول من الأمواج ترقص تحت الريح حتى تنفضّ الريحُ ثم تستقيم جذوعها من جديد. إن مجتمعنا يعلمنا - وهذه حقيقة - تيبس الأشجار، أن نسجن أنفسنا بهذه الصرامة والقيافة وتيبس القامة وإحكام الخطوة دون مرونة مع التغير، ومع الظرف المتبدل.. لذا فإن رياح التغيير التي تأتينا من كل مكان من الأرض ومن الجو ومن الأثير تقلعنا وتهزنا كالأشجار المتيبسة بلا حركة ولا مرونة ولا تجاوب مع آليات الطبيعة وحركتها. لقد فهم الفلـِّينُ وفهمت قطعة الخشب آلية البحر، مهما عتت أنواءُ البحر تبقى الفلينة تطفو، وقطعة الخشب تركب الموج مهما زبد وزمجر في الأعالي أو انخفض صاعقا منقضا من شاهق. ولم يفهم الحجَرُ الصلد آلية البحر فيغرق ولو كان الماء رهواً، أو كانت الموجات رخية. عندما نفهم آلية التغيير فإن التغيير لا يقلقنا لأنه لا يغرقنا، وعندما يكون في جماجمنا عقولٌ بجزئياتٍ تطفو وتعوم فإن موج التغيير يبقى مجرد سطح متحرك، وعندما تكون أدمغتنا مثل كتلة صماء من الحجر فإن التغييرَ يغرقنا من أول موجة. في هذا العيد علينا ألا نخاف أبدا من ريح عاتية ما دمنا مثل سنابل القمح، جذورنا (التي هي إيماننا، مبادئنا، وأخلاقنا) راسخة وممتدة وثابتة في أحشاء الأرض، بينما جذوعنا تلعب مع أهوية التغير والتغيير.. ولكن لا ترحل معها، فتبقى في الأرض التي عرفتها، ونسغت منها الماء والغذاء.. حينها لن يقلعنا شيء عن أرض عشنا عليها!
(4)
- أن الإيمان والمحبة والشجاعة وإبداء الرأي المحق والمحب عناصر القوة والازدهار.. وأن الكراهية والجبن والتزلف والشك عناصر الخـَوَرِ والاندحار.
(5)
- ثم هذا هو الأهم: أن نجعل من العيدِ.. عيدا!