بوضوح الشمس: الضربُ.. بعد نزع الفتيل!

سنة النشر : 01/06/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 

.. هذا الموضوع الذي نتطرق إليه اليوم لا يمكن أن يستعرض في مقال ثم ينتهي في المقال ذاته. ولكنه موضوع من الممكن أن نبدأ التحدث حوله في هذا اليوم لكي يرى المختصون كيف سيكون الأمر في النهاية للعلاج. ولكن قبل ذلك، دعوني أنقل لكم ما جرى في اجتماع جرى بيني وبين مدرسي إحدى المدارس ذات خميس.

في المدارس الآن بدأت تتشكل هيئة مكونة من أباء الطلبة ومدير المدرسة ووكيلها، وهي خطوة عملية ممتازة لتحقيق دائرة أوسع لاتخاذ القرارات داخل المدرسة ولنقاش شؤون الطلاب والمعلمين والمناهج والإجراءات حسبما هو مخول لهذه الهيئة. وأنا أعتبرها إنجازا مهما. ولقد تم اختياري في مجلس من هذه المجالس، وطلب المدرسون أن نلتقي معا لمناقشة أمر مهم في السلوك المدرسي، أو تحقيق السلوك المدرسي.. هذا الأمر هو، الضرب.

افتتحت الحديث بأننا سنناقش موضوع الضرب في المدارس من جانبه الأخلاقي والتربوي العامين وليس من الجهة النظامية البحتة، فمع أننا يجب أن نخضع للنظام لما يكون مكتوبا ومُقـَرا، وهذه طبيعة المجتمعات المدنية، ولكن ليس بالضرورة أن كل ما يقره النظام صحيح، وقد يكون صحيحا ولكن ليست الصحة المطلقة التي تنطبق على كل زمان وكل مكان وكل حالة وكل ظرف، كما أن ممنوعات النظام قد تكون في أحايين غير نادرة ضرورية لإصلاح أمر ما، وقد تكون هذه الضرورة ملحة جدا، وإلا كانت العواقب سيئة وضارة.. اتفقنا على ذلك.

بدأت أنا في طرح رأيي، في أن الضرب مجملا ليس من الحكمة أن يقر في المدارس بأي شكل من الأشكال. وبررت ذلك بأن الضرب فيه قبل الألم الجسدي إهانة لكرامة الطالب لإحراجه أمام زملائه، ويسهم في تحطيم معنويات في كيانه، فتربك شخصيته، وقد يلاحقه هذا الإرباك طيلة حياته، وتثبت الحالات المدروسة أن من يتعرض للضرب في الصف المدرسي أو في البيت إما يكبر ضعيفا متواريا منسحبا سهل العطب، وإما ينشأ متنمرا عدائيا يفرض شخصيته على من هم أقل منه تعسفا. ولما عقب أحد الأساتذة أن الضرب متبع في المجتمعات العربية بل إن، كما قال، في البلد الذي جاء منه يصر الآباءُ على المدرسين في تأديب أولادهم بالضرب. وقلت له: وهل أنشأت هذه الطريقة أشخاصا أقوياء؟ وأسوياء؟.. وأعطيت الأمثلة على أن الذين يُحتـَرمون من طفولتهم ينشأون ثابتي الجنان، أقوياء الشخصية، وفيهم قوة الحضور اللازمة لمواجهة الحياة والناس. بل إن البلدان المتقدمة في احترامها لكرامة الفرد وصيانة حقوقه الأخلاقية والإنسانية هي التي جعلت منهم شعوبا يعرفون كيف يتعاملون في النظام الديمقراطي، ولا يبجلون من يرأس الأماكن العليا، ولكنهم يناقشون إن كان الشخص قادرا بالفعل وكفئا لشغل المنصب العالي. ثم إن الضرب دائما يساء استخدامه ويبالغ فيه المدرسون حسب انفعالاتهم في اللحظة، وانعكاسا لدرجة عصبيتهم. الضرب ليس عنوانا فقط، ولكنه فعل معقد يبدأ من شيء معقول (ربما) إلى فظاعات كإعاقات دائمة. وتسجيلا لواقع.. فهذا يحدث. تكلم أحد المدرسين وقال إنه ليس مؤيدا لسياسة الضرب، ولكن هناك نوعا من التلاميذ يكونون من سوء الطباع بحيث لا يردعهم لا النصح ولا النهر، ولا العقوبات الفصلية، وهم في ذلك يتمادون لعدم خوفهم من العقاب الحاضر فهم لا يؤثرون في تحصيلهم فقط، ولكن يؤثرون سلبا في المسيرة الدراسية لكامل الصف.. بالفعل، وجهة نظر. وكنت قد قرأت في جريدة "التايمز" اللندنية أن وزارة التعاليم البريطانية قد أقرت الضرب ضمن حالات محصورة، منها الآلية التي تكلم عنها الأستاذ.. ولكني كان يجب أن أتمهل.

دار برأسي كثير من الأفكار من عواقب الضرب حتى لو كان الخيار الوحيد، ليس فقط على التلاميذ بل على المدرسين أنفسهم. تصور طالبا ينتقم من أستاذه بتحطيم سيارته، أو أن يكون مشاكسا لدرجة أنه قد يتعمد إيذاء أستاذه بأي مادة جارحة أو حادة. وهناك وقائع أن مدرسين ضربوا خارج المدرسة من الطلاب، أو من إخوتهم الكبار.. وهناك أكثر من قضية تعدي آباء على المدرسين بالعنف البدني (خصوصا في المدارس الأهلية، وهذا موضوع خاص سيطرح في وقته).. لذا اقترحت شيئا مقيدا في حالة اللجوء إلى الضرب كحل أخير وعلى أن يكون ناجعا.

قلت للمعلمين: لن أستخدم كلمة الضرب هنا، بل سأستخدم مفردة "الفعل اليدوي"، واستعرضت رأيي بأن يكون الفعل اليدوي ممنوعا كقاعدة عامة، ولكن يـُلجأ إليه عند حدوث ما يجب أن يتعامل معه بهذا الفعل. واشترطت ألا يكون المعلم هو صاحب القرار الوحيد في الضرب، حتى لا ترتفع الحالة إلى التجني أو تعدي الحد المسموح، وحتى لا يكون المدرس مطلق اليدين في هذا القرار، في أن يكون هناك إجراء سميناه "إجراءات العقاب بالفعل اليدوي"، أولها أن تكون الحالة متفقا عليها بخروجها عن السلوك المدرسي والصفي، ثم على المدرس أن يناقش موضوع السماح بالضرب مع الإدارة، وعندما تجد الإدارة أن التلميذ يستحق العقاب بالفعل اليدوي، فإنها تحدد بدقة كيف يتم تطبيق العقاب على التلميذ. وترى هنا أن القرار لم يكن ليتم نتيجة ارتداد وانفعال في اللحظة، بل إجراء يبعد عنه قرار النزوة والتسرع، عندها إما تعطي الإدارة السماح بالفعل اليدوي للمدرس، وإما أن تطبقه الإدارة وليس المدرس، مع ميلي الشديد إلى الإجراء الأخير، حتى يتقي المدرس انعكاسات تبعات القرار الذي ذكرنا أمثلته..

ما رأي أهل التربية؟