سنة النشر : 02/05/2009 الصحيفة : الاقتصادية
.. عندما يُقال لنا افتحوا عقولـَكم، فإننا نتبع النصيحة حرفياً. وعليهِ نسمحُ للإنترنت، وشبكات الإعلام، والبرامج المتلفزة والمذاعة، ومحللي سوق المال، وخبراء الاقتصاد، والسياسيين ذوي الأساليب المنمّقة، لقذف عقولنا المفتوحة بوابلٍ من المعلومات، وبحقائق نصف مزيفة أو كاملة التزييف، وحقائق محوّرة، وفضائح مكشوفة.
وعندما نقرأ عناوين الصفحات الأولى في الجرائد، أو نستمع إلى مذيعي المحطات التلفزيونية والإذاعية تزحف إلى دمائنا رعشاتُ الرعبِ والخوف والشكّ وعُقـَد الذنب. فلا يصل إلى مسامعنا وأبصارنا إلا مشاهدُ وأخبارُ الرعب من الأزمات والأمراض والحروب والفساد في المناصب العليا.. فأي أمانٍ سيشعر به هذا العقلُ المفتوحُ على كل مصادر الإعلام والمعلومات؟
هنا نعطي إشارة العبور المجاني للشعور بالنقص والذنب والخجل والفشل والندم ليأخذ طريقه إلى وجداننا، بما ستمطره في عقولنا هذه الأخبارُ لتتسرب إلى ضمائرنا وتتفاعل مع أجهزتنا العصبية.. وبدخول هذا الإنترنت الغازي الجديد، فإن المعلومات بكل قياساتها وأنواعها وألوانها مفتوحة للجميع.. ولكن بلا تعليمات ولا نصائح في كيفية التعامل معها.. تماما كما في الطرفة المعروفة عن ذاك الذي يتعلم الطيران من كتيب تعليم، ولما طار أراد النزول، ولكن وجد هذه الجملة: تعليمات النزول في العدد المقبل. طبعا وأنت في الجو، ولا تعرف الهبوط فلن تتمكن للأسف من الوصول للعدد المقبل.. وهذا حال معظم العقول المفتوحة على الإنترنت بلا ضابطٍ ولا حد.
والنتيجة: كلما عرفنا أكثر، ارتبكنا أكثر!
ونجح صانعو الدعايات وحملات الإعلان والإعلام في التحكم في بواباتِ عقولنا، بل هم صاروا لتحكمهم بمداخل التفكير يُملون علينا ما يجب فعله، وما لا يجب القيام به، وأكثر من ذلك بماذا نفكر وبما لا يسمحون لنا التفكير فيه. فهم إن أرادوا روّعونا بأخبار الكوارث في العالم، وإن أرادوا هزّ مبادئنا وجهّوا فوهاتِ بنادق الأفلام والكليبّات وأمطرونا ببارود يصيب القيَم والمبادئ في مواقع موجعة، إن لم تكن مميتة.. فيقفلون مولداتِ الأحلام والخيال والابتكار والمبادرة في عقولنا، ويضعفون أهم أدوات العقل وبتركيز شديد. والنتيجة أنهم نجحوا في ذلك حتى الآن نجاحا نشهد لهم فيه بعبقرية كاسحة.. كاسحةُ لكل ما يجعلنا أفراداً أحرارا، ولا يكون الفردُ حُرّاً إلا بتفكيرٍ حُرّ.
لقد نجح هذا الإعلامُ في إشغالنا عن قضايانا الحياتية وشأننا اليومي، وألهانا بقضايا الكوارث والمسائل السياسية الكبرى التي تشغلنا حتى النخاع وليس بمقدورنا أن نفعل أي شيءٍ حيالها، كمن يعطيك كأسا ويطلب منك إفراغ البحر.. مستحيل!
النتيجة: تفعيل الشعور بالعجز، وقلة الحيلة، وإهدار طاقاتنا العقلية والعاطفية عما له علاقة حيوية مباشرة بمعاشنا ومعاش أهالينا، ورفع قيمة أعمالنا بأفكارنا ومبادراتنا، وتطوير مجتمعنا المحيط بخيالنا الخلاّقِ وهِمَمِنا المسخـَّرة لبيئتنا القريبة.
صحيحٌ أن العقلَ المفتوح على كل مصادر الأفعال يولد أفكارا، ولكنها أفكار من واقع المواد المدخلة لبوابات العقل المشروعة على كل شيء، قد يتبادر للوهلة الأولى أنها أفكار غير ضارة أو ليست بذات تأثير، وهذا لا يمكن منطقا أن يكون، فالأفكارُ هي التي تولد الأفعالَ، فأفكارٌ سيئة أو ساذجة تولد أفعالاً من النوع ذاته، وهذا سيتعدى التأثيرَ الشخصي إلى التأثير في الناس الذين حولنا.. وهنا أسّ المشكلة: أخبارٌ لا علاقة لنا بحصولها ولا لنا قدرة على التحكم في حلولها ولكنها تؤثر فينا وفي من نحب مباشرة.. هنا الضرر.
العقلُ من أهم نعم الله علينا، ولا ننصح أن يبقى مغلقا، بل ندعو إلى أن يكون متفتحا لا مفتوحا، يعني أن نتحكم نحن في بوابات عقولنا، ولا نترك آخرين هم الذين يتحكمون في البوابات فيدخلون ما يشاؤون ويفرغون ما يشاؤون، وإلا أصبحت عملية غسل أدمغة منظمة كبرى (وهذا ما يجري على الساحةِ .. تقريبا).
قلنا إن العقلَ المفتوح البوابات بلا ضوابط ولا تحكم سيكون مُستـَعبدا لمعلومات وسائل الإعلام المفتوحة، فيفقد حريته وإبداعه وحتى مبادئه وقيَمه التي يجب أن تبقى راسخة.. ويمتلئ بمعلوماتٍ تقيده مثل الحبال، في بحرٍ متلاطمٍ مفتوح.. وهل تستطيع أن تنجو من الأعماق وأنت مقيد بالحبال؟
يجب أن يكون العقلُ متفتحاً واعياً، فيرفع ربقة الحبال، ويتحكم في الإدخال والإخراج.. إن أراد أن يكون حرا.. حراً في التفكير وحراً في الاختيار.