كتيبةُ الزُهور
سنة النشر : 01/06/2009
الصحيفة : الاقتصادية
شوق، مَي، نجيبة، لطيفة، إيمان، منيرة، سمية، ترَف، ريم، بُشرى، رنين، دانة، مشاعل، سلمى، وعد، مها، بيان، أمن، هند..
لما تريد الأمُ في ليالي صحراء منغوليا الباردة أن تجعل عينـَي طفلتها تغفو، فإنها تغني لها أنشودة العشرين نجمة في السماء.. حيث عند كل نجمة كنوز من الألعاب والملابس، ومن الألوان المختلفة التي تتمايل بأطياف قوس قزح الفجري، وتحمل كل نجمةٍ شيئا أهم: وعدَ الصباح. ووعدَ الصباح هو الدفءُ في صحراءٍ تتيبّسُ من الجليد، ووعدَ السعادة، ووعدَ النجاح.. وقبل أن تـُطفِئ الأمُّ عينيها تقول ناعسة:"وأنت يا بنتي واحدة من تلك النجوم!".
عشرون فتاة، هن من عرفتُ مباشرة، وهناك المزيد، وسأعرفهن في يومٍ قريبٍ، وأعاهد نفسي ، فهنّ لا يحتجن لعهدي، أن أرصّع أسماءهن نجوماً في كويكبة أخرى من النجوم.. النجوم التي تحمل الوعدَ: وعد المستقبل. سميتُ البنات بكتيبةِ الزهور لأنهن في معركة، معركة تتناثر عطراً، عِدّتـُها حضورهن البرّاق، وذكاؤهنّ اللامع، وتلالٌ خضراء من التفاؤل والعزم في قلوبهن الغضة.. ومتسلحات بأهم سلاح على الوجود، منذ تاريخ البشر، منذ تاريخ النجاح، منذ تاريخ التاريخ ذاته: الطموحُ حين يُنحَتُ من فولاذ!
لذا، فهن كتيبة مشحونة بأقوى وأجمل ما يحمله بشريٌ ليس لنفسه فقط، ولكن لعائلته، ولمجتمعه، ولوطنه ثم للجنس البشري كافة.. نعم، لا تستهن أبدا بما تعمله أنت في محيطك. أي حركةٍ صغيرةٍ تدفع نفسَك بها للأمام إنما تدفع بالإجراءِ والتتابع عجلةً أكبر هي المجتمع المحيط، والمجتمعُ يدفع عجلةً أكبر هي الأمّة، والأمّةُ تدفع عجلة أكبر، عجلةٌ بحجم الكوكب الأرضي.
كتيبة الزهور هنّ من بنات المنطقة الشرقية من برنامج الأمير محمد بن فهد للقياداتِ الشابة، تحت مظلة صندوق الأمير سلطان للمشاريع النسائية.. ويسمين أنفسهن المستفيدات. ها ها ضحكت من كلمة المستفيدات بلسانهن جميعا، وكأنهن "أخوية" تجتمع لتغيّر حالَ العالم.. ولكن قِفْ يا أنا: هنّ فعلا يغيّرنَ العالم! ويغيرن العالمَ بالآليةِ التي ذكرناها: آلية العجلة.
يقول الصوفيون إن الإيمانَ امرأة، بل يذهب كبيرهم كابن عربي وغيره ويرون أن الإيمانَ والعزم الخارق إنما هو أنثويٌ بالضرورة، وأن الرجالَ عندما يُضَخ بهم الإيمانُ والعزمُ فإنما يستمدون ذلك من جانبهم الأنثوي.. هو كلامُ صوفيةٍ فلا تآخذونهم ولا تؤاخذوني، ولكني شخصٌ يقرأ كثيرا، ويستوعبُ قليلا، وتتبادر لذهنِهِ تداعياتُ قراءاتِهِ عدما تصح الظروفُ المشابهة والمؤيدة أمام كتيبة الزهور وأنا أرى هذا العزمَ، وهذا الإصرارَ، وهذا الإيمان من فتياتٍ في أولِ ريقِ العمر، خذ على سبيل المثال أن سلمى ووعد في الثالثة عشرة من عمريهما (أوه، آسف حسب ادعائهما فهما في الرابعة عشرة..) ومع ذلك تقف الصغيرتان وتقولان نريد أن نؤثر في المجتمع، نريد هذا المجتمعَ أن يؤمن بقدراتنا، أن يؤمن بعقولِنا، أن يؤمن بقوةِ وجودِنا، وصلابة وجداننا، أن يؤمن مجتمعنا أنا صُنـّاع حاضر واقع، ليصُب في حوض المستقبل الناصع.
وأنا أهتز طرباً من عقول تخض عقلي خضاً، وكنت من التائهين الذين كادوا يصدقون أن بناتنا ما هنّ إلا مدللات ومتواكلات.. انظر: إيمان الدوسري في سادسة طب، وسمية الجاسر معيدة في الجامعة، ونجيبة باقر مجموعة من المهام والقدرات، ورنين بخاري تدير عملاً خاصاً، ومشاعل الباعود ماجستير في الإدارة، وغيرهن.. ومع ذلك، رغم زحمة الوقت، رغم مصير النجاح، رغم ظروف الأعمال يريْنَ أن تطويرَ الذات يأتي قبل كل شيء، وهذا ما قالته تحديدا أمن الشمري، وشوق المدعج، وترف العفالق.
وأنا أرسل هذه الرسالة من كتيبة الزهور للأديبة البارزة التي وقفت تسألني في مؤتمرٍ ببلادِها: "وهل أنتم تعرفون بناتكم؟ أو يعرفنكم؟ إنهنّ مدللات تربية الخدم والمربيات".. أرسل لها بكل فخر، وبكل محبةٍ، إنجازات بناتنا اللاتي هنّ عيّنِتنا اليوم، ارسله لها، ولي، ولكل من يهتم بإنجازات كتيبةٍ محارِبةٍ يسمونها: كتيبة الزهور.
كتيبةُ الزهور وضعن أقدامهن بالأمس في صرح أكبر عقل استشاري في البلاد، في مجلس الشورى، وصنعنَ تاريخاً قد يكون محدوداً، قد يكون صغيراً، تاريخٌ من سويعاتٍ قليلة، ولكن كلّ لحظةِ تاريخٍ كبُرَتْ أو صغُرَتْ، لا يصنعها إلاّ عظماء.
إن مجلس الشورى قد فتح باستقبال كتيبة الزهور مفهوماً واسعاً واقعياً وعملياً وتدليلياً للرأي العام بأنه مجلسٌ ليس فقط للمنظـّرين وباحثي الملفات الكبرى، بل فوق ذلك مجلسٌ حيويّ فعـّال متفاعل مع إيقاع اللحظةِ، ويدقّ مع قلوبِ الناس، ويتوارى في أمانيهم وتطلعاتهم.. لذا فإنّ الفتيات الصغيرات وهن يضعن أقدامَهُن في المبنى المهيب شعَرْنَ وكأنهن من الفاتحات، وكأنهن يدخلن عالم أليس في بلاد العجائب.. شعرن بالفخر، بالسموِّ، بأنهن على قمةِ الإنجاز، وتحتهنّ سهولُ الوعودِ الخضراءِ تعانقُ أفقاً يضيئه وميضُ قوس قزح بكل طيفِ ألوانه.
لذا.. عندما تعدد بناتُ كتيبةِ الزهور، فإنهنّ في الصباح كما في أنشودة الأمّ المنغولية، تحمل كل واحدةٍ منهنّ وعداً. وعدٌ لكلّ بناتِ الأمّة.