القرَّاءُ .. وأنا

سنة النشر : 28/06/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
أؤمنُ أن هناك علاقة قدَريَّةً وحتميةً بين القارئِ والكاتب. بل أمضي ميلاً أكثر من ذلك، وهذا ما علمنيه قرائي، لأقولَ إن العلاقة بين الكاتب- وأخصّ نفسي على الأقل- وقارئِهِ مثل علاقة الطفلِ الناشئ مع الشخصِ المكتمل. أؤمن بأن الكاتبَ يجب أن يقدّر دوْرَاً وعلاقةً قويةً غير مرئيةٍ، ومحسوسةٍ بشِدّةٍ، بينه وبين قرائه. ويجب أن يوقن بأنه من غير القراءِ سيغدو وحيداً، معزولاً، وستموتُ موهبتُه لأنها ستكون مشروع نارٍ لم تُسْتـَثار، شعلة لم تـُلقم بالوقيد، وكأنها مغلفة بحائطٍ جليدي، أو مانع من الاحتكاكِ بالهواءِ ليكتمل الإشعال.
 
القارئُ في النهايةِ، وفي البدايةِ، هو الذي يرعى الكاتبَ بقصدٍ أو بلا قصد، ويحتضنه، وينشِئه عبرَ مراحل تطوّر فكره الكتابي. القارئُ هو الذي يحفز مهمازَ الاستيقاظ العقلي والضميري والموهبي عند الكاتب.
 
وعندما يتكابر الكاتبُ على القارئ، ويعاند في أن يكون متجولا سادِراً بجزيرةٍ معزولةٍ عن القارئ، وكأن على القارئ وجوباً أن يجهدَ نفسَه سباحةً للوصول إليه، والكاتبُ يصر على الابتعاد كلما اقترب القارئُ لتخومه، فهنا فإن القارئ سيمَلّ هذه الملاحقةَ الشاقّة التي بلا طائل، ثم يختفي عنه.. واختفاءُ القرّاء عن الكاتب هو بمثابة حكم الموت على كتاباته، والمواهبُ كائناتٌ حيةٌ مُقـَدَّرٌ لها أن تحيا، ومقدرٌ لها أن تموت، كما يقول «نيكولاي جوجول» في قصته القصيرة الأشهر «المعطف The overcoat»، التي قال عنها العظيمُ الآخر الروسي «أنطوني شيخوف»: «كلنا خرجنا من معطفِ جوجول».
 
إذن المواهبُ تموت، والذين يذهبون للموتِ لا يُبْعَثون! هناك اصطلاحٌ لعلم بالأجنبي هو «الديونتولوجي Deontology»، ليس هناك ترجمة عربية دقيقة أقتنع بها، ولكنه علمٌ مختصٌ بتفسير وتفنيد الواجبات والمسؤوليات والالتزامات بين أطراف التعامل البشري، وأؤمن بأن هذا النوعَ من العلاقاتِ يجب أن يكون ظاهراً وقوياً بين الكاتبِ والقارئ، في السلوكِ، وفي احترام عقل الآخر، وفي عدم الغوص وراء النوايا.. فالقارئُ حتى يحسن قراءة الكاتب، يجب أن يكون الكاتبُ واضحَ المبادئ غير مراوغٍ في الذرائعِ والوسائل، فسعةُ عقل القارئ قد تكون في سعةِ عقل الكاتب وقد تتعداها، ومن هنا التزام الكاتبِ باحترام عقلية من يخاطبهم، فهم أسرع منه في التقاط أساليب المراوغةِ والنفاق والكذب، ومعرفة إن كان يكتب من أجل منافعِهم الرحبة ، أم من أجل منفعته الضيقة.
 
وهنا سيلتزم القارئ بحسن قراءة الكاتب وتشجيعه وعدم اللجوءِ للتفسير المبني على الرَجْم في أغوار النفوس. وعلى الكاتب أن يتواضع ليعرف أنه انعكاس لرغباتِ القراءِ أو الناس، فيما يطمحون للوصول إليه، لأنه يقف على منصةٍ للتعبير أوسع، أو لظهورِ موهبته التعبيرية، ولكن الناسَ سيظلـّون هم الأصل، إنها مثل آلية صور الفيزياء في انعكاس صفحةِ السماء على سطح البحر، يبقى أن المنعكِس دائما هو الأصل.. فالقراءُ أو الناس هم الأصل، والكاتب هو سطحٌ ضامٌّ لآرائهم وطموحاتِهِم.. كل هذا وأكثر تعلمته من قرّائي، بل إني لما بدأتُ أتبادل معهم الرأيَ عادَتْ تـُشْحَنُ بوجودي طاقاتُ الحماسةِ من جديد، وتعدّدَتْ معارفي بما يغذيني به القرّاء من تشجيع وتوجيهٍ ونقد وإبداءٍ للرأي.
 
وقد يلينون في التوجيه وقد يشدّون، تماماً كما يوجه المربي من يشرف عليهم، وهم حين يأخذون من وقتهم وجهدهم للكتابةِ إلى الكاتب، مهما كان رأيهم، فهو دليلٌ شاهقٌ على الاهتمام. ولفتني أن القراءَ الذين يترادّون بـ «الاقتصادية» هم أصحاب أسلوب عربي راق، فقلما تجد اللهجة المحكية أو الأسلوب الركيك، بل إن أغلبيتهم يدهشونني بأفكارهم المنيرة، وبأسلوبهم المميز، وقدرتهم الفذة على فرز ونقد الأفكار وإعادة تلبيسها وطرحها من جديد. قارئ قدم اقتراحاتٍ فنية لشركة الكهرباء كحلول لنقص الإمداد للصيف بعقلية هندسية فذة لأُفاجَأ بردِّهِ علي ليقول إنه ليس مهندسا، وقارئٌ نابه آخر يعطيني رأيا أعجبني، وعندما هاتفتني محطة تلفزيونية فضائية أخذتُ رأيه بالتلقائيةِ فإذا أنا أستعيرها حرفياً وأستخدمها في اللقاء موحياً أنها لي.. والحمدُ لله - أن مسألة قوانين الحقوق الفكرية لم تنضج قضائيا.
 
 وأنا أراجع ردودَ القراء أكون في حالة انبهارٍ كاملٍ من حجم الثقافة، وجدية الطرح، وذكاء الاقتراح، والسخرية الراقية، والتعاطف الإنساني الحميم. شيءٌ سلبيٌ وحيدٌ، بالنسبة لي، والذي وسوَسَ بي بسبب تميّز القراء: صرتُ أقتنع بأني أحتلّ هذا الموقعَ من الجريدةِ بلا جدارة!