ابتسمْ أنتَ في «عقارِستان»!

سنة النشر : 04/07/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
كنت متحفِّزاً للزيارة الموسميةِ التي يُنْعِم بها عليّ صديقي المثقف، وأستعد دائما لهذه الزيارة لأنّهُ محفل فكريٌ جاد. أقبلَ عليّ وهو لا يحملُ آخرَ الكتبِ كعادته، وإنما يتأبط لفائفَ ورقيةٍ تحت إبطه.
 
ووقع فكـِّي من الدهشة لمّا بدأ صاحبي المثقف يفل الأوراقَ، وإذا هي خرائط لمساهماتٍ، ويريني المخططاتِ الجديدة والقديمة معلما عليها بالمواقع، وأسعار الأمتار، وطرق التأسيس، ولما رأى فمي المفتوح ذهولاً.. قال بجدِّيةٍ ساخرةٍ: « يا أخي ابتسمْ، أنتَ في عقارستان..!» ثم أقبل علينا صديقٌ مشتركٌ ترك الوظيفةَ واتجه للنشاطِ العقاري، وكان دائماً محلّ تندّرِ صديقي المثقّف، كان يقول له: «يا أخي لِمَ لا تبحث عن عملٍ حقيقي؟» أو يقولُ متهكـِّماً: «لماذا تركتَ عملاً شبه حقيقي (إشارة بخبثٍ خفي للوظيفة) واتجهتَ إلى عمل غير حقيقي؟»، ويمضي في سخريته الجارحة فيقول: «يا رجل، أتسمي دقّ الحنكِ وشربَ الشاي ومدح العقارَ للشاري، وذمِّه للبائع نشاطاً تجاريا.. إلا إن كان النومُ نشاطاً؟» .
 
وصاحبي العقاري له قلبٌ باردٌ وجـِلـْدٌ سميك، فلا يُعِير صاحبي المثقف التفاتة إلا بأن يشير بإيماءةٍ بيده من تحتِ لسانِه، تفيدُ أن الرجلَ على غير جادّة.. معقبا عليه بجملتِه الخالدة: «أقول: خلّ ينفعك أرسطو وبرسطو». وقلقتُ من إقبال الصديق العقاري، توقعا للشكـَلِ ومباراة السخرية الكلاسيكية بينهما.. وللمفاجأة الصاعقةِ، إذا هما يرتميان على بعضِهِما ارتماء من قطـَّع كبِدَيْهما ألمُ الشوقِ والبعاد، ثم يتقدّمان نحوي شبه متعانقين ومتشابكي الأيدي، وأنا مازال فكّي واقعاً.
 
تصنعتُ الابتسامَ رغم تيبس فكي وقلتُ:»ماشاء الله منذ متى لم تريا بعضكما؟ « وتصدّى صديقي العقاري وصديقي المثقف بإجابة تلقائيةٍ جماعيةٍ:»من أسبوع لم نرَ بعضنا، أتصدق؟!» لا طبعا لم أصدق، ولكن كان يجب أن أبتسم فأنا في «عقارستان».. لم يقع أي نقاش أو درس ثقافي كما كنت آمِلاً، فقد وضع صديقاي، العقاريُّ والمثقفُ، رأسيهما متجاورَين، وراحا يمسحان الخريطة فيتحدثان بالأمتار، والمواقع، والجهات، وتوقعات طرق وتقاطعات المستقبل، ونسياني.. وكأني تلاشيتُ مثل غبارِ المساهمات.
 
وبينما صديقاي في غيبوبتهما العقارية أقبل علينا صديقٌ صناعي، جاء متحفّزا كعادته ودخل في نقاش فجائي عما يواجهه من صعوباتٍ في مشاريعه، وعن القرارات التي تجدُّ مع كل فجرٍ جديد، وإذا بصاحبنا العقاري يطِلُّ من وراء حافةِ خريطته متكئا على طرفِ كتِف صاحبنا المثقّف، ويضع يدَه تحت لسانه - بإشارته المعتادة- مقلـّلا مما يقوله صاحبنا الصناعي، والتفت إليه، وعدّل شماغه من وسط رأسه إلى أول رموش عينيه، وقال له بانتقادٍ واستهوان: «متى تفهم يا أخي؟ متى تفهم؟! الناسُ طارت بأرزاقها، وأنت ما زلت في سخـَمِك وزيتك؟ تحرر يا أخي من العبودية، تحرّرْ من الجري وراءَ الاستقدام ، وكأنك تشحذ على الأبواب، وتخلّص من الجري وراء السعودةِ التي لا تجدها ولا يمدّك بها أحد.. أتريد أن تبقى وتعمل هنا؟ بِعْ إذن هذا المصنعَ الدائخ واستفِدْ منه في الدخول لعالم العقار، فالعقارُ لا يؤذيك، ولا يدفعك للجري وراء موظف، فكُل همك أن تبيع ثم تبيع وتعيد البيع بأكثر من طريقة ( ومال عليه غامزاً) سأعلمك فنونها.. وبعدين أموالك للبنك، وسترى أن مديرَ البنك الذي يحوقل ويتململ لمّا تدخل مكتبَه، سيأتيك باشّاً هاشّاً ويحملك بين ذراعيه ويضعك وراء مكتبه
 
.. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ غير أن حبيبنا الصناعي لم يلتفت إلى حبيبنا العقاري، وإنما إلى حبيبنا المثقّف متسائلا ما الذي طرأ عليه؟ ولماذا لا يعيرُهُ انتباهاً؟ غاطسا في الخريطة المنتشرة على السجادة، فاستنجد به قائلا:» فهِّم صاحبَنا أن العقارَ ضيقٌ ولا يتسع للجميع، فهِّمْهُ كما كنتَ تقول لنا إنه نشاطَ من لا يستطيع المشي..قل له إن الدول ترتقي بالصناعةِ، وتخـْمُدُ في لعبةِ التراب فتبقى في التراب.
 
ونظر حبيبُنا المثقفُ إلى حبيبنا الصناعي بنظرة خاليةٍ من الثقافةِ، وقال لي:» أخبره ما هو شعارُنا الجديد»، ففرِحتُ أنني دخلت اللعبة وأُعطِيتُ دوراً مهما، فقلت له بتبجِّحِ المستذكي: «ابتسم أنت في عقارستان»! خرج صاحبُنا الصناعي متجهِّماً وصفـَق البابَ خلفه صائحا: « لا، أنا لن أمكثَ هنا لحظة واحدة، سأذهب إلى مكان آخر يقدّر عملي وجهدي وصناعتي».. وحرّصناه أن يخابرنا حال وصولهِ إلى أرض ميعادِه. مرت شهورٌ فإذا بالصناعي يهاتفني، فأفرح باتصاله سائلاً : «هاه، قل لي أين أنت الآن؟» فردّ بصوتٍ يذيبُ قلبَ الصديق: - إني حزينٌ، أنا في.. أسْهُمِستان!