الموظفُ والوحش

سنة النشر : 05/09/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
مرّ المعلـِّمُ «كونفوشيوس» في مِشـْيتِهِ السنويةِ، ومعَه ثلةٌ من تلاميذهِ، على تلـَّةٍ في الريفِ بعيدةٍ، ورأوا امرأةً تنوح نواحاً يقطع نياطَ القلب: فسألها المعلمُ: «لم تبكين؟» فقالت: «ها أنا أبكي على شاهدِ قبر أبي الذي افترسَه الوحش». وفي العام الذي تلاه، رأى المعلمُ وطلابَه المرأة نفسها تنوحُ في المكان ذاته: وسألوها: «لمَ البكاءُ هذه المرّة؟» فقالت: «أبكي زوجي الذي افترسَه الوحشُ». وفي العام الذي تلاه، رأى المعلمُ وتلامذته المرأة ذاتها تنوح في المكان ذاته، فسألها المعلمُ: «لِمَ النواحُ هذه المرّة؟» فأجابت تختنق بشهقاتِ البكاء: «ها أنا أبكي ولدي الذي افترسَه الوحش».
 
فردَ عليها المعلمُ: «ولماذا لم تغادروا هذا المكان من أول ما هاجم الوحشُ؟» فأجابتْ: «لأن لا موظفَ ظالما هنا». فالتفت المعلمُ لحوارييه قائلا: «سجِّلوا. الوحشُ أرحم من موظفٍ جائر». والموظفُ في العهودِ الصينيةِ القديمةِ بمثابةِ حاكمٍ يُطاع. ويبدو أن جزءاً من شعب الموظفين- الموظفون الذين لهم الحكم على الناس- توارثوا الصفة! ومن ذا لا يعرف العالِمَ الكبيرَ «الحسن بن الهيثم»، الذي يذكره العالمُ حتى اليوم ببحوثه الأصيلةِ التي ضمَّها كتابه الأيقوني (المناظر) في علم البصريات. وشرِبَتْ أوروبا من نَهْلِهِ لسبعة قرونٍ متتاليةٍ.
 
ويكفي أن العالِمَ البريطاني البولندي الأصل «ج. برونوفسكي» قال عنه في كتابِهِ «ارتقاءُ الإنسان»: «إن أروعَ رجال العلم في التاريخ لم يكن يونانياً، ومصدرُ حكمي هذا هو أني مهتمٌ بتصويرِ الأجسام بالفراغ، وقد فهمه اليونانيون خطأ، حتى فهمه تماماً كما نعرفه الآن في عصرنا عالِمُ فذٌ غريبُ الأطوارِ يدعى «ابن الهيثم»، هو وحده العقلُ العربيُ الأصيلُ الذي أنجبته الثقافة العربية للعالم».
 
ولكن ألم تلاحظوا أن الرجلَ «برونوفسكي» دعا ابن الهيثم بالغريب الأطوار؟ هذا لا يوجد فيما نقرأه في الكتبِ العربيةِ السائرة، فرجعتُ أبحث عن تاريخ ابن الهيثم الشخصي، ووجدته بالفعل كان قد خالط عقلـهُ الخبالُ والذهانُ لفترةٍ طالت لسنوات؟ عجيب، أليس كذلك؟على أن الحقيقة هي أنه كان يعيش بكنف «الحاكم بأمر الله» في مصرَ الذي أُعْجِبَ بقدرتِهِ الهندسيةِ الإنشائيةِ (نعم، كان ابنُ الهيثم بما نصف اليومَ مهندساً مدنياً متفوقاً، وهو أول من اقترح إنشاء سدٍّ بقرب هضبةٍ في أسوان للتحكم في مياه النيل.. أمرٌ نادرا ما عرفناه عنه).. ثم تصدى له موظفٌ ذو شأن في بلاط الأمير فحتى يتجنب شرَّه ونفوذه القوي، ادعى الجنون!! وأرجو أن تتأمَّلوا هنا: كيف لرجلٍ مثل ابن الهيثم أن يتخلى عن أعزّ ما لديه وهو عقله؟ إنه أمرٌ فوق التصديق.. إلا أن موظفا جائرا يمكنه أن يفعل ذلك، وأكثر.
 
وهنا يثبت «ابن الهيثم» أن الوحشَ أرحم من موظفٍ ظالم.. فليس أكثر وحشيةٍ من وحشيةِ ادعاءِ حياةٍ بلا عقل. أكتب هذا لأني أتلقى رسائلَ كل يوم - آسف لقد أخطأت لروتين المصطلح.. بل كل ساعة - كل رسالة فيها قصة تقلع جذور النفس، ويكون وراءها موظف جائر، أو هكذا يدّعون. ولكل رجل تجده يسير في الشارع، وكل امرأة قصة أو قصص عن ظرفٍ جائر من موظفٍ جائر، بل أحيانا، مجموعة من الناس، بل مجتمع، بل أمَم. كلما كبِرتْ دائرةُ سلطة الموظف الظالم كثر الناسُ الذين يرمون أنفسهم في أحراشٍ تدور بها الوحوشُ الضاريةُ الجائعة.. كله أرحم من ظروفٍ تنبع كالحمم الحارقة بفعل قراراتِ موظف ظالم. هل الموظفون أناسٌ سيئون؟ كلامٌ لو قلناه لفقنا انصرافاً ذهنياً ما عاناه ابن الهيثم من الخبال. فتعميم مثل هذا لا يجوز، ولا يمكن أن يكون.
 
ولكن تذكروا قولاً شائعاً: أن تفاحةً واحدةً فاسدةً تُتلفُ حمولةَ شاحنةٍ من التفاح النَّضِر. ولا تنفع مليون تفاحةٍ نضرة في استرجاع الفساد من تفاحةٍ واحدة.. مشكلة دهرية؟ نعم! أقوى شهوات الدنيا ليس المال، ولا طلبات الجسد، بل هي شهوة السلطة، أقوى من كل الشهوات، سيدةُ الشهواتِ بلا منازع.. فهي التي تفسح الأرض لإنبات زرعة الفساد حتى في القلوبِ الصالحة، إلا ما حماها اللهُ بقوةِ الإيمان، ومحبةِ الإنسان، وثباتِ العقل والضمير والوجدان.
 
كل ما على أي موظفٍ ذي سطوةٍ وقرار، هو أن يسأل نفسَه: هل أرضى أن أكون أشد فتكاً من الوحوش؟ فبحدِّ علمِنا لا يوجد إنسانٌ واحدٌ مكتملُ صفاتِ الإنسانية يرغبُ، حتى في أعتى كوابيسِهِ، أن ينحدر لنوع الوحوش.. ولكن بعضهم ينحدر ولا يدري، بل يخالُ أنه يرتفع لقبّة السماءِ.. حتى يطرح على نفسِه السؤال؟ ولم يخلق اللهُ الإنسانَ إنسانا لكي يقوم بعمل الوحوش.. فلنتذكر عاقبة ذلك.