محمد عبد الله الزامل .. دليلٌ سهلٌ إثباته!

سنة النشر : 03/10/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
نعرف، أخي محمد وأنا، كيف نجدك أيها الحبيب في البحرين.. لا ليس في المكتب، ولا في المنزل العامر، ولكن أن ننتظر بعد كل صلاة عصر في مسجد العدلية، ثم نقترب إليك ملاطفين، وأنت واقفٌ تتحدث بلغة حبّ وصداقة، مع مؤذن المسجد وعامل فيه.. ويلتفتُ إلي أخي محمد بعد ذلك ليقول لي: ''أعرف ماذا ستقول''.. ولكني رغم ملاحظة أخي، أصر على إلإعادة لأني أستذوق كل حرفٍ:'' يا محمد، فلان من أهل البحرين قال لي إن الشيخ محمد الزامل من أكثر الناس شعبية في البحرين..'' والسببُ بسيط .. أنه رجل بسيط، وأبسط وأسهل ما يقدّمه، طبْعاً لا تطوّعاً، هو الحب للناس، وقبولهم بلا حدّ.
 
.. تعلمتُ من تجربة الحياة العملية للشيخ محمد العبد الله الحمد الزامل (أبو عبد الله)، أن أصحاب الإيمان والعزم لا يطلبون دليلا بأنهم سيحققون أهدافـَهم، وأن أولئك الخالين من الإيمان والعزم لا سبيلَ لإثبات أي دليل!
 
كان أبو عبد الله بضاعته الكبرى ليست أموالا وأعمالا تركها أبوه الرائدُ- يرحمهما الله- الشيخ عبد الله الحمد الزامل، بل ترك معها جذوة إيمان في قلب ابنهِ اليافع، بعد أن رحل ووضع على عاتقه مسؤولياتٍ جساما.. ليس أولاها ولا أخيرتها مجموعة من الأشقاءِ والشقيقات الأصغر، وكان يجب أن يرعاهم كلهم من البداية حتى يقفوا على أرجلهم بكامل استعداداتهم لخوض ما ستعده لهم الدنيا، ليس أولاها ولا أخيرتها أن يبني أعمالَ والده، ويؤسس لأعمال جديدة، فأمامه مصاريف كبرى لمهمات كبرى، ألمعها مهمات عائلية وإنسانية والتزام بالمسؤولية في المراتب الأُوَل.
 
وكان شابا صغيرا، رغم قرب بعض محبيه وأصدقاء وأقرباء أبيه، منفرداً في البحرين التي عاش بها كل حياته، وقدم لها الكثير كما قدمت له الكثير، وكانت تطلعاته وراء البحر القريب حيث موطنه الأصل، وآفاقه الواعدة، فشجع كل إخوانه وأخواته من الصغر على أن أوان العودة للبلد الأصل قد أزف. وأخذوا معهم أولى أمنياته: ''حتى يعطيكم بلدكم، يجب أن تعطوه أولا وبلا توقع لرد العطاء، عندما تريدون من أهل بلدكم أن يحبوكم فيجب أن تخلصوا قبل ذلك لهم الحب قلبيا وعمليا ومشاركة''.. وكان له، بعد الله، الفضل، مع التوصيات المهمة التي انتقلت عبر جيل الوالد المؤسس إلى النجل الأكبر - المتناهية حالته مع صفة الأبوّةِ أيضا - أن حققتْ العائلة نجاحاتٍ كبرى يشكرون الله عليها ويحمدونه، ثم يشكرون وطنهم الذي كان نبع الخير لا لكي يملكوه فقط بل من أجل أن يعطوا منه الكثير، واختاروا تحت قيادة الربان المتواري خيارات من أصعب الخيارات وهي الصناعة، التي هي محك تقدّم أي أمة.. وكان هذا عنواناً كبيراً لانتماءٍ للوطن وناسه، ثم عنوانا من بعده للولوج إلى دنيا الأعمال الاحترافية الكبرى..
 
ولما تُوُفـَّي الشيخُ أبو عبد الله، كان اسم الزامل الناحل على لوحةٍ لوحّتها الشمسُ وشققتها الرطوبة في سوق البحرين القديم، صار اسماً يُصَف مع أكبر الأسماء التجارية العالمية.. لذا كنت أسأل نفسي، كيف ملك دليلا وقتها على كل هذا، كيف ملك دليلا على القيام بالخطوات الانتقالية، كيف ملك دليلاً على أن كل إخوته بلا استثناءٍ سيلبون النداءَ العملي داخل الشركة الحاضنة، وأن كل منهم سيكوّن نجاحا تحت فرعه، لا يقدم الخدمات الكبرى فقط، بل يسترزق من خلالها آلاف العائلات.
 
من المستحيل إثبات دليل كهذا، مستحيلٌ إثبات حلم مغيم بضمير المستقبل.. إلا لأنه الإيمان والعزم. الإيمانُ كان في قلب ''أبو عبد الله'' راسخاً بسيط المعنى بلا تعقيد: ''اعمل واصدق بعملك، وسيوفقك الله،'' وأخذه من الله وعْدا.. وكان هذا أخير دليل. والعزم كان لا بد أن يفيض من مكان واحد لا غير، من نبع في داخله، نبع العمل الجاد، والاجتهاد الذي لا يعرف الكللَ ولا الاستسلام، من بوصلةٍ داخليةٍ نمت معه من تعاليم أبيه، وكونه ابن سوق، تدلّه على الفرص، فيكون هناك في الوقت المناسب ليلتقطها باستعدادٍ مناسب، وقد أعد لها أسباب النجاح بالاستعداد الدائم.. كلنا نفقد اشياءَ في طريق الحياة ونكتسب أشياء، إلا ذاك الوجه الصبوح فرغم تعاقب وتلون الظروف، بقي شيءٌ لم يفقده قط.. ابتسامة تشع كالنور من قلبٍ أضاءته الأنوار. حتى في مرضه الصعب، التقيته في البحرين (وفي عزاء) ولم تكن الابتسامة إلا رسمه الشخصي و(ماركته) المحمولة، وكنت لتوي قد تم اختياري عضوا في مجلس الشورى، واغتنم بروحه ذات البسمة الحاضرة تـَشـَابُه اسم والدي، مع اسم أخيه الدكتور عبد الرحمن عضو الشورى السابق، وقال: ''ماذا نقول للناس الآن، سيظنون أن الأبَ ترك، وورّث كرسيه لابنه!''، ويُسقـَط في يدك، فالرجلُ يشيع روحَ التفاؤل والمرح وهو لا يكاد يقف مستوياً من مرضه، فلا تدري كيف تبتسم، ولا كيف تبكي.
 
على أن هؤلاء الناس أصحاب الإيمان بالعمل والعزم، إنما تختفي من الدنيا أجسادهم، ويبقون أحياءَ في القلوب والعقول، ومنجزات شاهقه تكون الآن هي الدليل الذي يسهل إثباته! ونرى في ابنه عبد الله ملامح التفوق والنجاح العملي والرؤية السوقية العملية، كما نتلمسها في أخيه نواف، فحين تراهما ستجد أن بريقَ رجل الأنوار يشرق في شخصيتيهما.. فهما من أهم دلائل نجاحه.
 
يرحمك الله أيها الحبيب، وسنفقدك.. كل أهلك ومحبيك، ووطنك، والبحرين التي تصادقت فيها مع عائلتها الحاكمة إلى العامل والمؤذن في مسجد العدلية حيث تقف متحدثا باسما معهما بعد كل صلاة.. رحمت الناسّ وأحببتهم وعملت من أجلهم، وسترى أثر ذلك بإذن المولى، في دار الخلود.