الثقافة تصبُّ في الاقتصادِ..لا العكس !

سنة النشر : 05/10/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
في زيارته لمجلس الشورى السعودي، تفضل السفيرُ الياباني «شيغيرو إندو» بزيارتي في مكتبي في المجلس، وهو يقوم بزيارة وديّة، وتنمية للعلاقة البرلمانية بين اليابان وبلادنا، تذكرتُ ثقافة «البوشيدو» ..
 
وكان قد أثارها ما حدث قبل ذلك.. فقد أُعجِبْتُ صباح اليوم ذاته عندما كنت مع رئيس شركةٍ محلية، وأخبره أحد موظفيه أن معاملةَ طال قبولها في مكتب من مكاتب الوزارات، وأن عرضاً أتاه (لتمرير المعاملة وبسرعة، ودون إعاقات)، قال رئيس الشركة وحسمَ آخِر ما في رأس الموظف من «قناعات» حول الموضوع «إن هذا ضد ثقافتنا في الشركة، وثقافتنا هي الشركة «وقطَع الطريق أمام كل المحاولات المستقبلية لأمورٍ مثيلة.. لأن القناعة الكبرى عنده أن الثقافة هي حزمة أخلاقياتِ إن ضاعت .. ضاعت الشركة!
 
أما أنا فقلت لنفسي «هذا الرجل سينام مرتاحاً، ويستيقظ مرتاحاً، مهما كانت نتائج تلك المعاملة المهمة .. لأنه لم يفقد أرضاً راسخة يقف عليها.. وما دمت راسخ الثبات فلن تسقطك الرياح..» قلتُ للسفير الياباني إنكم أمة محظوظة، لا تبذلون جهداً للترويج عن ثقافتكم.. ولكن يسعى الآخرون للترويج عنها.. ما من أمةٍ على الأرض إلا وتبذل من أجل نشر ثقافتها، لأن الثقافات هي شبكات الجسور التي تسافر إليها ومنها المعارفُ والعلومُ والأفكارُ، والمعرفة تُسقط الخوف، لأن الخوفَ يأتي إما مع الجهل أو من المجهول.. وتقبّل صراحتي بترحابٍ وبسمةٍ مشجعة، وأنا أقول إن اليابان تسمي نفسها «أمة الشمس المشرقة»، وبالتالي فإن الشمس تتربع في قبة السماء ولا حاجة لها للتنبيه عن وجودها.
 
ويبدو أن اليابانيين صدقوا ذلك! لقد استفادت الأمَّةُ البريطانية ثم الأمَّةُ الأمريكية في تأصيل ثقافتها في الدول التي استعمرتها، ثم قامت هذه الدول بنشرها بدورها، وكان هذا أول دهاء البريطانيين في نشر النفوذ البريطاني السياسي، وكان هذا أول رهان الأمَّةِ الأمريكية على الاستحواذ الرأسمالي.. بما فيها اليابان ..ذاتها!! أما عن المجتمع السعودي، قلتُ للسفير «هل تعلم أن كثيراً من شبيبتنا الطالعة وأطفالنا يتكلمون اليابانية أو يفهمونها.. من تولعهم بالألعاب، والصور، والأفلام اليابانية .
 
والحقيقة لم تفهم الأمة اليابانية هذا كفلسفة أو آلية لاختراق الشعوب ثقافياً، أنما كما يظهر بنمطيةٍ ظاهرةٍ تعتني من البدء للانتهاء إلى الكسب التجاري، لا غير! فهناك موجةٌ كبرى صنعتها جُلُّ شعوبِ الأرض افتنانا بثقافة اليابان، إلا أن الذي لم يركب هذه الموجه هم اليابانيون!. لو أن اليابانيين وصلوا للشعوب وخرجوا من شرانقم التجارية لسادوا بثقافتهم الأرض، لكن الذي يجري هو أن «أُمة أباطرةِ أبناء الشمس» مع أجيالها الجديدة بدأت تفقد الأرضَ الراسخة التي تقف عليها لأنهم ولّوا ظهوَرهم لثقافتهم العتيدة واعتنقوا ثقافة أمريكا الجديدة ..
 
هذا ما شكَتْ منه واحدة من أكبر مفكرات اليابان، ونشر في «أساهي» جريدتهم الأولى، وأحيلكم أيضا إلى أحد أعداد مجلة «التايم» الأمريكية التي أفردَتْ موضوعَها الرئيس عن ضياع الهوية اليابانيه، وتداخل الأمركة في خيوط النسيج الاجتماعي بكل مظاهره في اليابان. لذا.. على اليابان أن تنشر ثقافاتها، فلما تحدثنا يوماً هنا عن «التماشي» اليابانية التي تعبر عن روح الانكباب لإجادة العمل، تحمَّس لها القراءُ، ولما بدأ الأستاذ النابه «أحمد الشقيري» ببرنامجه الرمضاني (خواطر).. صار البرنامجُ الأشدّ جاذبية في الازدحام المرئي الرمضاني .
 
آن لليابان أن تعرّفنا بتراثها الأصيل كثقافة «البوشيدو» التي ستنطوي حولها النظرة لكامل الأمة وناسها، وثقافة البوشيتو هي: تعميق الأمانة، والعمل الشاق، والخجل من الخطأ عند القادة، فالقائدُ يفضل أن يطْعَنَ أمعاءه على أن يحمل معه عار خطأٍ أحاقَ الضرر بأمته.. (وثقافتنا الإسلامية تحّرم الهربَ بالانتحار، ولكن تهابُ حمل العار... ثقافتُنا التي كانت!).
 
على اليابان أن تنشر ثقافتها في التشجيع على تدريب الكوادر السعودية ومضاعفة نشاط أكاديمياتها العالمية للتعاون التعليمي العالمي، والتعليم في معاهدها العليا، ونقل التقنية، وهذا ما التفتت إليه بعض تجارب المعاهد التقنية في المملكة، وسيكون من نتائجها تفهم الثقافة اليابانية ممّا يحفزُّ صعوداً في الشراكات الاقتصادية بين البلدين. فالمنافعُ التي تأتي بلا تمهيدٍ إنساني.. تتبّخر كـأول قطرة ندى نصب عليها أشعة «الشمس المشرقة».
 
ورئيس تلك الشركة السعودية، وزيارة السفيرُ الياباني في يوم واحد أثبتا أن الفردَ لا يعيش على جزيرة معزولة بمفرده!