سنة النشر : 10/10/2009 الصحيفة : الاقتصادية
المقالُ هذا مبنيٌ على علامتـَيْ تعجّبٍ.. وعلامتا تعجّبٍ أخريان أكشف عنهما في نهايته!
علامة التعجب الأولى:
شابٌ من أنبه الشبابِ الذين صادفتهم، وأصادفُ مئاتٍ من الشباب النابهين، على أن هذا الشابَّ الذي- لتقصيرٍ منّي- لم أسمع عنه إلا لما نٌقِلتْ قضيتُه إلي، يحمل استثناءً بإنجازاته الدراسية، والاجتماعية، والعملية.. تفوقَ في الدرجات النهائية بالثانوية، وحصل على ثلاث جوائز على مستوى كل المنطقة (الجائزة الأولى كل مرة) وحصل في الجامعةِ- ومن يد رئيسها- على ترقية ومرتبة شرف، ثم جرى له أمرٌ من الله من حوادث الدنيا فقدّم عذره للانقطاع عن الدراسة حتى تكتمل قدراته، على أنه حتى في هذه الفترة العصيبة من حياتِهِ الغضّة، استثمر وقته بإبداع وإنجازٍ يقارب الإعجاز لصغر سنه ولضخامة المشروع، ويسّر اللهُ له في القيام بمشروعٍ عميم الفائدةِ لطلاب وطالباتِ المرحلة الثانوية لمساعدتهم على تجاوز اختبارات القدراتِ العامة، والاختبارات التحصيلية للكليات العلمية بالمملكة، ومن مواقع التعجب أن ثلاثينَ خبيراً متميّزا تعاونوا في إكمال هذا المشروع تحت إشرافه، وتدبير تمويله.. تصوروا.
وعلامة التعجب هنا، أنه لما أراد الرجوع للجامعة بعد كل ما حققه من توفيقٍ مذهل في الثانوية وسنوات دراسته في الجامعة، وانقطاع بإذن صار عليه لغط، وأعماله التطوعية الهامة والتي أعرف عنها، ولم أعرف أنه يقوم وراءها، واستثماره الوقتَ كتجربةٍ تعطي اقتداءً شاهقَ التطبيق لكل شابٍّ وشابة للعمل العِصامي.. رفضته الجامعة. كمن رمى جوهرةً ثمينة لأن النظامَ النصي لا يفرق بين الجوهر والحجر.
علامة التعجب الثانية:
هذه الجامعة من أفضل جامعات المملكة، إن لم تكن أفضلها على الإطلاق. ولو كانت أرشيفاً قانونيا توثيقيا لقلنا إن تيبسها أمام نص النظام أمر من طبائع الصفة. ولكن في جامعةٍ حيويةٍ دينامية تعطي البلادَ ثروتـَها الحقيقية الكبرى، فإن النصَّ النظامي هو من أجل إنتاج العقل، وليس النصّ النظامي من أجل الوقوف بمبخرٍ أمام دواعيه. بل في المدارس والجامعات التي تضع ميزاناً للفرد من طلابها، تلاحقه أكثر وتهتم به تركيزاً حين يُخطئ، وحين يهرب من حرم الدراسة، وحين يزلّ، بل وحتى حين يُجرم، من أجل إعادته للسرب، وضمه تحت جناح المؤسسة التعليمية، وهذا أمرٌ من ابتدائيات الأمور في كل هيئةٍ تربويةٍ تعرف أن التربيةَ سماءٌ مفتوحةٌ، وليست وتـَدَاً يُغرَز بالأرض لتحريم التحليق. ويقوم على الجامعة نخبةٌ من أفضل الأكاديميين– وأقولها بثباتٍ من معرفةٍ قريبة- وهنا تتغلـّظ علامة التعجب ويمر عليها التأكيد مراتٍ ومرات. فليس معقولاً بما أعرفه من مرونةِ وعُمْقِ هذه العقول أن تردّ طالبا متفوقا يبكي بكاءً للرجوع.. وحتى ولو ارتكب وأعاد ارتكاب الأخطاء، لأن الطالبَ حالة عقلية ونفسية معا، ولو أن الطلابَ يأتون معلـّبين جاهزين للانصياع، فما هو دورُ المرَبِّين إذن؟
علامة فخر:
سبق أن قامت جامعة محترمة هي جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بعملٍ يدل على السمو والرقي الأكاديمي والإنساني والوطني بقبول «مهند بودِيّة» المبتكر السعودي الشاب رغم أن كل شيء في النظام يعيق ذلك.. ولكن الإراداتُ العليا تأتي من نفوس عُليا.. فقـُبـِل رغم ظروفه، ليكون أول طالبِ هندسةِ فضاءٍ كفيفٍ في العالم.. فيا لها من مفخرة.
والعلامةُ الأخيرةُ، علامةُ رجاءٍ:
أرجوكم أيها القائمون على تلك الجامعة، اقبلوا ابنكم الذي لا يمكن أن تقبلوا أن تخسروه ونخسره جميعا؟ لماذا؟ لأنكم أنتم خبراء الجواهر!