أساقيةٌ تحتَ الجـِسْر؟!

سنة النشر : 17/10/2009 الصحيفة : الاقتصادية

 
برأيي، أن من يسهم في تجميل مدينته، كمن يمسح بيدِه قطرةَ عرقٍ من جبين أمه المتعبة. ومحمد الصاوي شابٌ أسهم في تجميل مدينتِهِ شكلاً وثقافةً ومستوى.. وذكاءً.
 
محمد الصاوي شابٌ مصريٌ، أبوه المعروف «عبد المنعم الصاوي» ـ يرحمه الله - فيبقى اسمُ والدِهِ في مشروع ولدِه.. هذا الرجلُ النابه أضاف لمسةً مضيئة يخترق جوَّ القاهرة المُترَع التلوثِ بالهواءِ والصخبِ وفزع الطرقات اليومي.. أريدكم أن تتخيلوا أنكم الآن تطيرون فوق مدينةِ القاهرة العظمى، سترون تحتكم غيمةً كالحة كبيرة على امتداد المدينة، ثم تأملوا جيّدا وتمعّنوا، ستلاحظون أن نجمةً صغيرةً تطل عليكم من وراء هذه العتامة.. وتلحُّ أن ترسل النورَ مهما تكثف الهبابُ، كما يقولون في مصر.
 
عملٌ عبقري بكل امتدادِ وعمق معنى الكلمة.. «محمد الصاوي» اختار جسراً طويلاً في قلب العاصمة المزدحم، وقرر كما يقول المثل في مصر أن يعمل من الفسيخ شربات، بل إنه تعدى الشربات بكثير. محمد الصاوي الخلاّق المبدع والمحب، استقرتْ مخيلتُهُ عند مكان تحت ذاك الجسر، وقرر أن يجعله بستاناً متماوج الألوان بالزهور، وهذه الزهور أنواعٌ وأشكال، ويكاد أن يكون هو البستاني الوحيد، فبجهدٍ شخصي أقام محفلاً ومعرضا ومقراً ثقافيا، وفنيا، وجماليا، وهندسيا، تحت الجسر.. «محمد الصاوي» يريحُ مدينتـَه المُتعَبة، ويحاول أن ينعش روحَها العظيمة التي أصابها الوهن، ومن أكثر الأماكن التي قد تلتهبُ جرحاً يغور، ليجعل منه دواءً وترياقا.
 
 تسمع في مدن أمريكا الكبرى اصطلاحا دائراً هو « القاطنون تحت الجسور» وهم المتسكعون المتشردون حيث يروج الفساد، وتضيع الروح الإنسانية، ويزدهر ترويج الممنوع.. ويقلب الصاوي النظرية ليحيل مكانا مؤهلاً ليكون مستنقعاً بشرياً أو مقذرةً بيئية إلى شجرةٍ ممتدةٍ الغصون يانعة الإثمار ترويها سواقي المعرفةِ والإصرار على رفع قيمة المدينة وإنسان المدينة.. ماذا هل قلتُ عفوا «سواقي»؟!.. يا للمصادفة، فاسم المكان الذي أنشأه الصاوي « الساقية!».. لا عجب.
 
«الصاوي» وضع على جبين شجرةٍ يابسة قطراتٍ من الندى، بعد أن يئست من الماء. تدخلُ المعرضَ الذي تحت الجسر فإذا أنت حرفيا في عالم آخر، تنقطع الضوضاء، تنتشر النظافة الشاهقة.. وتصفو الذائقة، وتبدأ تروس الدماغ التي كاد أن يعلوها الصدأ بالعمل بكل طاقتها.. أول دخولك ينتهي النعيقُ الصوتي في الخارج وتدخل معزلا جميلا، وكأنك انتقلت عبر نفقٍ سحري، سيصادفك أول دخولك معرضٌ تشكيلي كلاسيكي، ثم تدخل القاعة التي بعدها، وهناك صورٌ فنية مدعمة بتقنية الضوء والصوت لتحكي عن نفسها، والناس يتقاطرون في المكان آحادا وجماعاتٍ مثل نسّاك البوذية بصمتٍ مرهف، وتأملٍ سادر.
 
وعندما تدخل قاعة مظلمةٍ، يدور بها الصمتُ، فلا تتردد مثلنا في الدخول، بل ادخل جَسوراً، وتلمس أول كرسي واجلس، وقد ترى مثلنا فيلما تسجيليا إبداعيا لخمس دقائق عنوانه «دبابيس»، عن شابٍّ تحيط به وبمخيلاته الدبابيس، وتعرفون معنى «دبابيس» في مجتمعٍ مراقـَب!.. ثم تفاجأ بعاصفة تصفيق وإذا القاعة مليئة بالمتفرجين.. من أين أتوا؟ في هذا المقرّ يدير الصاوي عدة أنشطةٍ، وعروض، وندواتٍ، لا تديرها مؤسسة متخصصة بكاملها.. وهنا القدرةُ الفردية والعمل الأهلي، إنه كعملِ الحواةِ يخرج من جرابهم ما لا تصدقه الأعينُ والتوقعات.
 
عندما تخرج بعد عدة قاعات، ستشرف على مقهىً أنيقٍ ومرتَّبٍ على البحر (والمصريون يسمون النيل، إجلالاً، بحرا) والناس في دعةٍ، واستغراق، تدور بينهم الأحاديثُ الفكرية.. هذا يحمُل كتُبا، وتلك تدوّن مقالة، وهذا يحمل قيثارة.. في تصوّفٍ معرفي أشاعَهُ المكان.
 
وعندما تخرج سيصب الطريقُ بك مباشرةً إلى مسجد الزمالك المنيف، وستدخله لتصلي وتأخذك روعة التصميم الداخلي بالنقوش الجميلة، والأحزمة المرصّعة بالخط العربي من آياتٍ منتقاة.. وستبتسم من أعماق روحِك وأنت تقرأ على كل أسطوانةٍ في مداخل المسجد هذا التنبيه: أغلقوا المحمولَ وكل الاتصالات واتصلوا بربّ الأرض والسموات