أنيسة عبد الفتاح، ذاتُ الجناحين
سنة النشر : 15/03/2010
الصحيفة : الاقتصادية
إلى التي علمتني أن اللهَ لا يضعَ النقص، وإنما يخلقُ فيضَ الاكتمال، تلك التي طارتْ في الأبَدِية..
.. أتعرفون كيف تعودُ الأرواحُ التائهة؟ أتعرفون أين هي أرضُ الأحلام الضائعة؟ أتعرفون كيف لا تكونُ الحياةُ ترساً حادّا يقطع كل يوم جزءاً من يقظةِ الوجود؟ لن تعرفوا.. وأنا لن أعرف. ولكني أعرف كيف تتحول أشباحُ الآمالِ المتهاوية إلى عرائس جمال، أعرف كيف ترِقُّ الأهويةُ السوداء، لتتماوج نسائمَ تضوعُ بعطور السهولِ المرشوشةِ آساً وياسمينا.
أعرف كيف تتحول متاهاتُ العتمةِ إلى فسوحاتِ الأضواء.. أعرف كيف تتحول حالة تمتد الحسرةُ في أعمق مواضعها، إلى فرحةٍ تطبق الآفاقَ مع الآفاق. أعرف كيف يتحول الغضبُ والسؤالُ المحيّرُ حول ما نظنه نقصاً أو إعاقة، فإذا الله يرينا الجمالَ والمعجزةَ بإفصاح القدرة المبدعة.. عرفت كل هذا من أنيسة عبد الفتاح..
«أنيسة عبد الفتاح» معجزتُنا التي كانت تسير بشوارعِنا في الدمّام شامخة، وكأن الجاذبية تحفّ بها، التي كانتْ تتعارف على الناس قبل أن يقفلوا أفواهَهم من الدهشة، ثم يغرمون بها حُبا. عرفتُ أن القلبَ الكبيرَ لا يحدّ من حجم حبّهِ ولا حنانه ولا تفانيه ما قد يُخيَّلُ لنا نقصاً في الجسد، أو عجزاً في الاستطاعة.. وإذا الله يجعلُ من النقص كمالا، ومن غياض الظلام يتفجرُ الضياءُ أنهارا.. عرفت ذلك من «أنيسة عبد الفتاح» التي لم أتبادل معها كلمة واحدة، سوى رسالة في يوم منقولة عن قلقها علي، وهي التي بالكاد تعرفني، إلا فيما يعرفُ الصديقُ حلقة أقارب أصدقائه، ولكني تعلمتُ منها دروساً وعـِبـَرا من أهم عبر ودروس الحياة؛ أن أكتشفَ الجمالَ، وأن أتلـَمَّسَ الاكتمالَ، مهما وصل الظنُّ إلى تخوم اليقين بأن الجمالَ غار، أو بأن الاكتمالَ حار. خُلِقتْ «أنيسة عبد الفتاح» بلا يدين، تنتهي الكتفان إلى الهواء. وإذا هي أخفّ الأرواح وأرهفها.. كالهواء.
عاشت عقودا، لم يرها أحدٌ إلا باسمة مستبشرة متفائلة، شجاعة غير هيّابة، ثم عوضها الله إصراراً لا يلين ولو أن الفولاذ لانَ، فاستعاضت عن اليدين بأصابع القدمين حتى إنها اكتسبتْ من المهاراتِ الفائقة، والفنون الدقيقة، والاستطاعات المركبة، والعمل الانكبابي ما يفوق من اكتملتْ لهم الأطرافُ.. فسبحان من خلقكِ إعجازاً جميلا، خفيفاً، مرحا، هفهافا، حنونا، يا أنيسة.. يقال إن من تنقصه أطرافٌ بل حتى جزءٌ واحد من طرفٍ واحد يلزمه من يساعده ليقوم بشأن يومِهِ.. إلا أنتِ يا أنيسة، تعدّيْتِ العادية إلى الصعوبةِ، إلى معجزة الله التي يكشفها اللهُ متى أرادنا أن نرى معجزاته تسير في ركب البشر، في مسارات الحياة، فإذا أنيسة هي التي تقدم العونَ والحدبَ والرعاية المكرَّسَة لأمها، ورعت أخاها في مرضه، وكانت معهما حتى انقطعتْ في الجوّ الزفرة الأخيرة.
«أنيسة عبد الفتاح» عملت وتوظفت، لكن ماذا عمِلت وماذا أدّت؟ كاتبة في مدرسة، نعم وعلى آلة طابعة. نعم بأصابع قدميها، وتنهي أعمالا لا ينهيها شخصٌ واحد.. أنيسة عبد الفتاح تصنع لوحاتٍ فائقة بالمواد اللاصقة والحياكة الدقيقة بأصابع قدمها، ويتناقل الناسُ كيف اعتزّ بها الملكُ الراحلُ «فيصل» حين حاكتْ وطرّزَتْ ووَشت له لوحةً مذهلة قال الملكُ فيصل عنها إنها من أجمل اللوحات التي رآها في حياتِهِ..
ولكَ أن تتصور ما يرى رجلٌ مثل فيصل بن عبدالعزيز. رعت أنيسة أخواتَها، حتى صارت في العائلةِ ظاهرة للتفاني في الرعاية استهداءً بها، فعاشت معها ابنة أختها ترعاها وتخدمها حتى وهي قد تزوجت، وما تقوم بذلك إلا بطاقةِ حبٍّ لدُنِيـّةٍ نبعت من المولد الكبير عند أنيسة؛ قلبُها! ولكن قلبُ أنيسة توقف، بعد أن توقفت كليتاها.. نسوق قصة أنيسة عبد الفتاح ليفصح الواقعُ بوضوح الكريستال أن التفاؤلَ والتذمّرَ إنما هما حالة ذهنية، فالذي طبعه التفاؤل سيبقى جميل النفس والتطلع والعمل مهما رأى غيره ضيقا في الحياة، والذي من طبعه التذمر سيشكو من ضيق الحياةِ ولو كانت حياته باتساع البحر.
وإني من تهاويم الخيال الآمِل، ومخايل جمالياتِ الصوَر التي انطبعت من «أنيسة عبد الفتاح» أمسح دموعاً لم أتحكم بها، وكأنّ غشاوات الدمع تنحسر عن طيف أنيسة وقد نما لها جناحان أبيضان في كتفيها تطيرُ بهما نحو سماءٍ صافية الزرقة.. سماء الخلود.