حين أضَعُ نظـّارتي .. فلن تعرفوني!
سنة النشر : 20/03/2010
الصحيفة : الاقتصادية
في «مقتطفات جمعة» الأمس تحدثنا عن اختفاء الكُتـّابِ، أو إخفائهم.
وجاءتني رسائلٌ واتصالاتٌ لمزيدٍ من «معالجة» الموضوع. وأنا أعيدُ الكلامَ بأني لستُ «الطبيبَ المداويا»، فما أنا إلا آلة تنقل الظواهرَ، وتسجّل انعكاساتها ثم تطرحها نتاجاً مكتوبا، كي يطلع عليها الآخرون ويتناقشون حولها لإيجاد الحلول، إني أعترفُ، بأني دائرة ناقصة الإيصال، ومنقطعة التيار.
ولكن من له الكمال؟ وتسجيلُ الظاهرةِ وطرحها بلا بترٍ، ولا مزيدٍ من التهويل، كافٍ لعرضها على سرير التشخيص عند من لهم القدرة على التشخيص، ثم وصف العلاج.
دوري يقفُ، بحكم قدراتي التي أملكها في طبيعتي، عند النقلِ والطرح.. أيُّ رأيٍ أبديه، إنما هو من قبيل ما يحاوله غير المختص، أو من لا يملك سلطة الحكم ولا القرار ولا الرأي القاطع.
وحتى يحين تدخل أصحاب الترياق الناجع، فعلى من تقع عليهم، أو بسببهم، الظواهرُ أن يحاولوا المقاومة والوقاية بغريزة التحايل في سبيل هدفٍ يتفق حوله كل سلسلة المخلوقاتِ على الأرض: البقاء. يحسُنُ للكتاب أن يتقصّدوا وسيلةً للبقاء، لا أن يرموا الورقة الأخيرة على الطاولة ثم ينسحبون، أو يُسْحَبون، فيفقدون دورَهم ويفتقدهم من يعتمد على ذلك الدور وهم طيفٌ ممتد ومتنوع من القراءِ المتابعين .. وهنا يأتي فعلُ غريزة البقاء، والإنسانُ تخدم غريزتَه أقوى أسلحة أرض، فبينما تستعينُ غريزة الوحش الطليق بالمخلب والنابِ والاحتماء، تكون أسلحة البقاء الموهوبة للإنسان هي الأعظمُ والآنفُ: الأفكار! فكانَ أن طرحتُ في الأمس لغزاً للقراء ليساعدهم على إيجاد حلٍّ للكاتب صاحب الأفكار العالية الحساسية عن طريق الاهتداء لحل اللغز الذي كان يقول: «إن رجلا معه كلبٌ ضخمٌ من فصيلة «الراعي الألماني»، دخلَ مطعما على واجهتِهِ لوحةٌ نافرةٌ كُتب فيها بوضوح: يمنع إدخال الكلاب والحيوانات من أي نوع وحجم».
إلا أن صاحبَنا دخل المطعم، وأُكرم وأفـْسِحَتْ له أفضل الطاولات، واحتفى به مديرُ المطعم، ومنحه خصماً معتبرا من الفاتورة. وكان أن دخلت سيدة (أو رجل) ومعها كلبها الصغير الذي لا يتعدى حجم قطة من فصيلة «التشواوا» المدلـّلة، فهاج وماج موظفو المطعم، وطردوا السيدة من المطعم بلا تردّد.
فلماذا؟ سأعود لحلّ اللغز.. بعض الكتابَ تقرأ لهم مقالاً منشورا في صدر صحيفة ما ومحتفى بإظهاره، فتعجب كقارئ أن كاتبا آخرَ يرسل لك على بريدك الخاص مقالاً بالمسطرة الفكرية ذاتها إن لم تقلّ قوة، ومُنعت من الظهور بأمرٍ لا يُرد من الرقيب.
بعضُ الكتاب دهاة، يغلفون الفكرة إما بمبرّرِ الدخول، وإما بما لا يعطي الرقيبَ القدرة على منعه حتى لو أراد (والرقابة الفكرية رعّاشة، بل إنها لا تستقيم بلا صفة الجُبن وإيثار السلامة، وإلا لما أدّتْ واجبَها!).. كمثل أن يقول: «حدثني فخامةُ الزعيم أن سمنته المفرطة الجليلة تجعله ميّالا للغضبِ الشديد، فيصدر أحكامَه السريعة في القضاء على مناوئي رأيه قضاءً مبرما بلا داع لإضاعةِ الوقت بالمحاكمات السخيفة!», فإن الرقيبَ هنا لن يجرؤ أن يمنع مقالاً عن قول للزعيم فيسقـَط في يدِه! ونعطي المثالَ بتضخيم المعنى لا واقعيته، لإيصال الفكرة.
ومن الدهاءِ إظهار الفكرة بوضوحٍ يُبهر، لا رمزاً وتورية، كأن تنقل بصرك لعين الشمس، وهذا سيدفع الناس للتفكير والبحث والتروي نبشا للمعنى مما يخفف الضغط العاطفي مع الوقت والتفكير، فأكثر من حكمنا عليهم، لو فتشتَ عن معانيهم لوجدتها أنظف وأتقى من مدّعي التقوى، ولكن الفكرة المسبقة والتسرع في طرح الرأي بسبب قوة المبدأ تقتل المبدأ وصاحب المبدأ أمام الجموع.. وهنا يكون قد رحلَ عنهم فكريا.
أعرف شخصياً مفكِّراً نقيّ القلب، صفاءُ قلبه كما يقول الإيرلنديون مثل «طفلة الرعاة»، أي قمة البراءة، ولا يعرف إلا القليلون أنه درّس أبناءَه بمدرسةٍ من تلك المدارس التي تحمل طابعاً دينياً خالصاً، ولكن سرعة الحكم المُسبق، وتشدده بالمبدأ قبل التهيـِؤ له، وضعه وكأنّه رأسَ الأفعى، ولم يتردد في إبداء ندمه على إغفاله التهيؤ، لكن هيهاتَ يُغفـَر له، فالعقلية الجماعية السابقة الحكم باترة، وفي حالته رأيت وتألمت من مشهد ظلمٍ جماعي، والظلمُ الأولُ ليس في الحكم، بل الظلم الشاهق في عدم إفساح الممرات له للعودةِ عن الرأي أو تفسيره. فترى أن رحيلَ الكاتب ليس بالضرورة فقط من جهةٍ وزاريةٍ أو رسمية، بل حتى من فصيل كبير من الناس، ولعل الثاني أمَرّ! ونأتي لحل اللغز، فنشبه الكلبَ الكبير- أجلكم الله - بحامل الفكرة الكبيرة الخطيرة، والكلب الدلوع الصغير بالفكرة الصغيرة، وفيها من الخطر ما يكفي لأن يرتعش قلبُ الرقيب.
فصاحبُ الكلب الكبير الداهية كي يمررَ كلبَهُ الضخمَ داخل المطعم ارتدى نظارةً سوداء وادّعى أنه أعمى وأن الكلبَ يقوده، فقـُدِّمَ بأحسن طاولةٍ، ورُفِع عن حسابه الكثير.. مجرد نظارة سوداء، ولم يتغير شيءٌ آخر مطلقا. بينما دخلت صاحبة الكلب الصغير البريء بكلبها كما هي، وهي اخترقتْ نظامَ المطعم فكان يجب أن تعامل معاملة المجرمين.. على الكُتاب أن يفكّروا في مسألة النظاراتِ..